
الباحث الجامعي والناشط السياسي سعيد بحيرة لعربي 21 :
انهيار حكم البعث في سوريا مؤشر على فشل أسلوب الحكم الذي استمر عقودا طويلة
هذه أسباب اجهاض مشاريع اغلب الحركات والحكومات القومية
بأي حق احتكرت بعض العائلات او بعض الأقليات الحكم لمدة عشرات السنين؟
” الدولة الوطنية التي تحترم الحريات و الحقوق هي البديل عن “الأنظمة الثورية”
”اقتربت ساعة الحقيقة “..ولا بديل عن الديمقراطية والتداول على السلطة
سلطات تركيا قومية حداثية لها مرجعية إسلامية
++ البعثيون والناصريون لم يقدموا أبدا مشروعا متناسقا للدولة والمجتمع
++ بورقيبة والثعالبي ورفاقهما وضعوا أسس
” الامة التونسية ”
++ الثعالبي وعلي البلهوان و الحبيب ثامر كتبوا عن ” الدولة الوطنية ”
تونس .عربي 21. كمال بن يونس
أي دور لتيارات الوحدويين العرب واليسار القومي في تونس وفي المنطقة ؟
وماذا عن مراجعات التيارات الفكرية والسياسية الوحدوية العروبية والإسلامية واليسارية في تونس منذ انهيار حكم صدام حسين في العراق في 2003 ومعمر القذافي في 2011 بعد عقود من الازمات التي مرت بها الأنظمة والأحزاب القومية البعثية والناصرية و”العصمتية” ( نسبة الى المفكر المصري عصمت سيف الدولة ) والأنظمة “الاشتراكية العربية التقدمية” (في اليمن والجزائر وليبيا ..) بعد ” نكسة “حرب حزيران / يونيو 1967 وما تلاها من هزائم واخفاقات ؟
وهل ” ماتت ” المشاريع القومية الناصرية والبعثية الوحدوية واليسارية والتقدمية نهائيا بعد سقوط حكم بشار الأسد في ديسمبر الماضي وإعلان القيادة الجديدة أنها ستتفرغ ” للقضايا الوطنية السورية البحتة”؟
هل تعني كل هذه المتغيرات انتصار مشروع” الامة القطرية ” على حساب ” الامة القومية “؟
هذه القضايا وغيرها التي فتحتها عربي 21 ضمن ملفاتها الفكرية عن القوميين واليسار العربي في تونس وفي المنطقة ناقشها الإعلامي والاكاديمي كمال بن يونس مع الباحث في التاريخ و الناشط السياسي التونسي الدكتور سعيد بحيرة بمناسبة اصدار كتابه الجديد عن ” الامة التونسية” الذي جاء تتويجا لرسالة دكتوراه في التاريخ الثقافي .
وكان سعيد بحيرة من ابرز مؤسسي تيار” الوحدويين العرب التقدميين” أو “العصمتيين ” في تونس منذ 45 عاما ، قبل ان يخوض تجارب اكاديمية وسياسية وديبلوماسية وإدارية من بينها كاتب عام لوزارة الخارجية التونسية و كاتب عام المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومسؤول في قيادة حزبي “نداء تونس” بزعامة الباجي قائد السبسي و” تحيا تونس” بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد.
وفيما يلي نص الحوار:
أستاذ سعيد بحيرة ..أولا لماذا هذا الكتاب الان عن ” الامة التونسية” في مرحلة كثر فيها الحديث عن ” انهيار المشروع القومي العربي” ؟
وهل يعني عنوانه توجيه رسالة من قبل مؤرخ ومفكر وناشط سياسي عروبي وحدوي فحواها أن ” الدولة الوطنية ” و” الامة ” بمفهومها القطري الضيق ( بضم القاف )انتصرت على مفهوم “الامة العربية” و” الوطن العربي”؟
وهل ما زال الرأي العام الوطني والإقليمي والدولي يهتم بقضايا مماثلة ؟
+ الحديث عن العلاقة بين القطرية و القومية لا يزال قائما في الواقع اليومي للمنطقة..
..نلاحظ اليوم ان قضايا الانتماء والأمة تعود الى السطح حتى عالميا وكأنها لم تطرح سابقا ..
لذلك لا بد من إعادة التفكير في هذه المسائل التي تشغل الشعوب والنخب وصناع القرار في المنطقة و خارجها ..
إعادة التفكير مطلوبة لأن الأسئلة حول الامة والقومية والوطنية والدولة لم تقابلها أجوبة مقنعة لا سيما بعد الانتفاضات الشبابية والاجتماعية 2010 -2011 وما اصطلح عل تسميته ب” ثورات الربيع العربي “..
وما تشهده دولنا ومنطقتنا من حيرة وتساؤلات تذكر بمسار مماثل في فضاءات أخرى في العالم ..
هناك عودة لطرح تساؤلات ونقاط استفهام عديدة حول هوية الامة والمواطن في أمريكا واوربا، و قد صدرت أعمال بحثية و سياسية ملفتة على غرار كتاب صموئيل هنتغتون بعنوان “من نحن ” سنة 2004 ، و كتاب ” ما هي الأمة ” سنة 2020 للمؤرخ الفرنسي باسكال أوري عضو الأكاديمية الفرنسية …و هناك إصرار من طرف الأقليات و الحركات الانفصالية على راهنية القضية القومية مثلما يحصل في الولايات المتحدة بعد كل اعتداء عنصري على الزنوج، و مثلما يتمسك الكاتلان في اسبانيا بذاتيتهم الكاتالونية…
وزادت أهمية التفكير علنا مجددا في هذه القضايا مع بروز الشعبوية الجديدة في أمريكا واروبا واختلاط المفاهيم والمرجعيات الفكرية حول قبول المهاجرين..
كما يواجه مشروع الاتحاد الأوربي مجددا توهج القوميات والخصوصيات الوطنية والخلافات بين الأمم التي لم تنجح ” الوحدة الاوربية ” في اقناع كل شعوبها بهوية اوربية موسعة تكون بديلا للقوميات الاوربية القديمة والمحلية ..
و برزت مجددا في بولونيا وبلغاريا ورومانيا وإيطاليا اتجاهات و دعوات جديدة للتمسك بهوياتها القومية الخاصة والتمرد على مسارات بروكسيل وبرشلونة وماستريخت .. فيما انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوربي صاحبه صخب قومي شعبوي ولوحت شعوب ودول أخرى بالانفصال ..
مراجعات
ماهي اهم الاستنتاجات التي توصلت اليها بعد عقود من البحث والتفكير في قضايا الهوية والأمة والقوميات تخللتها مراحل تبنيت فيها مواقف دعمت فيها خاصة الفكر القومي العربي الوحدوي قبل ان تقوم بمراجعات في كتاباتك بينها بعض ما ورد في هذه الرسالة الجامعية وهذا الكتاب؟
هذا البحث تناول درس أثر الزعماء الوطنيين والمفكرين التونسيين في العهد المعاصر حول ” الامة التونسية” و” الوحدة القومية ” و” الولاء للوطن” و” الدولة الوطنية”.
و من بين اهدافنا في هذا الكتاب تتبع مسار نشوء الفكرة الوطنية في تونس و تجليها عبر الخطاب السياسي و الإنتاج الفكري و الثقافي، و مساهمات الصحافة و المنظمات النقابية و الشبابية في بلورة الوطنية التونسية عبر مواجهة محاولات التشكيك و التفكيك من قبل الاستعمار و روافده ، كما سعينا إلى التمعن في مدى تفاعل الراي العام الشعبي مع الشعارات والمضامين التي روجت لها النخبة عن “الامة” و”الهوية” التونسية .
و كانت الإشكالية الأساسية تتمحور حول سؤال : هل كانت النخبة معزولة عن شعبها ام ان الفئات الاجتماعية انخرطت في هذا المشروع الوطني ؟
وتوصلنا بعد التقصي البحثي العلمي إلى أن “النخبة لم تكن في عزلة عن الشعب وعن المجتمع بل جاءت لتكمل مسارا انطلق منذ انتصاب الحماية الفرنسية على البلاد التونسية .
تطور مفاهيم القوميات ..والامم ..والاوطان
و يمكن أن نتوقف عند ثلاثة مراحل : في مرحلة أولى دامت حوالي خمس سنوات ظل الانتماء الى ” الامة ” بأبعادها العربية والإسلامية الواسعة سائدا و شكل الدافع الأقوى للمواجهات مع المستعمر ، و لم تبرز بعد الأبعاد “المحلية ” أو ” القطرية” إلا بصفة محتشمة إذ كان وزن الشخصية الحضارية و الأيديولوجيا الثقافية قويا كمآ يقول المؤرخ هشام جعيط …
وفي المرحلة الثانية الواقعة بين سنة 1888 و نهاية الحرب العالمية الأولى تم الانتقال إلى معجم جديد روجته النخبة في مجلة ” الحاضرة” و في رحاب الجمعية الخلدونية و جمعية قدماء تلامذة المعهد الصادقي ثم جريدة” التونسي ” و قوام هذا المعجم المفاهيم الجديدة مثل الأمة التونسية و الوطن التونسي و الشعب التونسي و المواطن التونسي و تراجعت المفردات القديمة مثل الرعايا و الايالة العثمانية …
ثم تطورت المفاهيم بداية من 1920 معلنة ” المرحلة الثالثة” بواسطة تأسيس أول حزب سياسي وطني يتكلم باسم الشعب و يفاوض باسمه ، و يستند إلى سردية وطنية لها عراقة و استمرارية دافع عنها الشيخ عبد العزيز الثعالبي في كتابه “تونس الشهيدة “الذي اعتبره المؤرخ محمد الهادي الشريف مرافعة بليغة عن الوطنية التونسية…كما شهدت هذه المرحلة تأسيس أول منظمة نقابية تونسية بقيادة محمد علي الحامي، و خاضت النخبة التونسية سجالات قوية مع دعاة الاستعمار مثل الاشتراكيين الفرنسيين بتونس و الأدبيات الماصونية المعادية للوطنية و القومية…و برز مثقفون كبارا مثل أبو القاسم الشابي و الطاهر الحداد انتجوا فكرا وطنيا تعبويا…
و سجلت بداية الثلاثينات من القرن العشرين تولي جيل جديد قيادة الحركة الوطنية كان أقرب إلى الجماهير الشعبية و أميل إلى التعبئة الميدانية و أفصح تعبيرا عن الوطنية المعبرة عن الإنتماء القطري، و بذلك تمت أقلمة القومية في حدود تونس لكن دون قطيعة مع الشخصية الحضارية المنتسبة للعروبة و الاسلام…بل أن بطاقة الحزب الدستوري الجديد تتصدرها أية قرآنية مثلما كان الأمر لبطاقة الحزب القديم…و خاض الحزب أول معاركه بعنوان مقاومة التجنيس، و كان لعلماء الزيتونة الكلمة الفصل في شرعنة موقف الحزب….
من ” العروبة والإسلام” الى ” تونس الشهيدة”
كيف حصل الانتقال بالنسبة لتونس من مرحلة الانتساب الى ” أمة العروبة والإسلام” إلى ” الأمة التونسية ” والدفاع عن ” الدولة الوطنية ” و” التونسة”؟
+ كان التأسيس ” للهوية الوطنية التونسية ” الجديدة على يد أعلام بزعامة المصلح الكبير والإعلامي والمفكر الشيخ عبد العزيز الثعالبي الزيتوني التكوين وثلة من رفاقه خريجي الجامعة الزيتونية و”المدارس العربية الفرنسية الحديثة ” ، بينهم الكاتب والإعلامي احمد السقا خريج معهد كارنو و كلية الحقوق بباريس ، و نخبة من نشطاء جماعات ” الشباب التونسي ” مطلع القرن.
وكان الثعالبي من اصل جزائري ، لكنه نشآ وتعلم في تونس وكان من بين مؤسسي التيار الوطني التونسي مبكرا مع علي باش حانبة والطاهر والبشير صفر وعبد العزيز الزاوش وأحمد السقا وغيرهم مثل حسن القلاتي أسس الحزب الإصلاحي .
وكان اصدار كتاب ” تونس الشهيدة ” بالفرنسية من قبل الشيخ عبد العزيز الثعالبي و أحمد السقا عشية تأسيس الحزب الدستوري حدثا وطنيا قام بالتنظير والتاصيل للهوية الوطنية التونسية بابعادها العربية الإسلامية والمحلية . ولقي الكتاب ثم تأسيس الحزب صدى لدى النخب التي احتكت وقتها بالجامعة الزيتونية والمدارس العصرية في تونس وبالجامعات الاوربية .
وكان هذا الكتاب بمثابة ” المرجع النظري” لجيل تزعمه الثعالبي ورفاقه طوال عقدين من الزمن سعوا من خلاله الى الدفاع عن “الامة التونسية” وعن العروبة والإسلام مع تبني مرجعيات منظري الأحزاب الوطنية المعاصرة في المشرق وفي العالم.
ووقع التنظير وقتها لمفهوم مهم اكد على ” الفضاء الوطني” الذي يختلف عن مفهوم ” دار الإسلام ” و” الخلافة العثمانية “.
وكانت الدعوة للخروج عن ” الفضاء الكبير” ، أي ” دار الإسلام” ، لا تعني الدعوة الى التبعية ل” دار الكفر” و” الصليبيين الجدد” بل للانتماء الى ” الفضاء الوطني التونسي” والشمال افريقي..
كان اصدار كتاب ” تونس الشهيدة ” من قبل الشيخ الثعالبي الزيتوني واحمد السقا، خريج المدرسة العصرية “الصادقية” من بين علامات تميز النخب التونسية التي أسست المرجعيات الثقافية الوطنية ودخلت في معارك ومواجهات باسم ” الامة التونسية” و” القومية التونسية ” ..مع اخذ ” البعد الثقافي العروبي الإسلامي” بعين الاعتبار..
مرحلة بورقيبة ورفاقه
لكن الأوضاع تغيرت منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي وتزعم الحبيب بوقيبة ورفاقه الحركة الوطنية ثم دولة الاستقلال الأولى ؟
+ فعلا ، فان “الموجة الجديدة” لتيار الدفاع عن ” الأمة التونسية ” كان مع قيادة الحزب الدستوري “الجديد” بزعامة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والحبيب ثامر وعلي البلهوان ورفاقهم….و تبلورت في الثلاثينات حركة “وطنية قومية تونسية ” تواصلت حتى الاستقلال و تأسيس الدولة الوطنية .. اختلفت هذه المرحلة عن تجارب سبقتها و لاسيما بعد تأسيس المنظمات المهنية والنقابية الوطنية للعمال الصناعيين والتجار والمزارعين ..
وكانت أولى المعارك التي خاضها الزعيم بورقيبة ورفاقه وفقت بين البعدين الوطني التونسي والعروبي الإسلامي ، المعارك معارضة تجنيس التونسيين بالجنسية الفرنسي والتعبئة ضد تنظيم “المؤتمر الافخاريستي” والاستعراضات الاستفزازية التي نظمها ” القساوسة” و” الكاردينال الفرنسي الاستعماري شارل مارسيل لافيجري” في خمسينة احتلال تونس ومائوية احتلال الجزائر..
والكاردينال لافيجري لعب دورا على راس بعثات التبشير المسيحي في سوريا والجزائر وتونس في القرن 19 خدمة للمشروع الاستعماري الفرنسي . وكان من بين الذين نصحوا السلطات الاستعمارية الفرنسية قبل احتلال تونس في 1881 بعدم إعادة غلطاتها في الجزائر وباعتماد نظام ” الحماية” ، الذي يبقي على سلطان تونسي وادارته بصفة شكلية مع ضمان السيطرة على البلاد “دون خسائر مماثلة ” لتلك التي تكبدها الجيش الفرنسي في الجزائر ..
علي البلهوان وبن عاشور
لكن معطيات عديدة تؤكد أن التيار الوطني الحداثي التونسي بزعامة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وعلي البلهوان والفاضل بن عاشور وفق مبكرا بين البعدين التونسي الوطني/ القطري والعربي الإسلامي..مثلما يكشفه مثلا كتاب ” نحن أمة” للزعيم علي البلهوان وكتابا و” “فلسطين الوطني القومي للعرب” و” الحركة الأدبية والفكرية بتونس” للزعيم والمصلح الكبير محمد الفاضل بن عاشور
فعلا تلازم البعدان الوطني القطري والوحدوي العروبي الإسلامي مثلما بينته كتب علي البلهوان و كتاب “هذه تونس ” للحبيب ثامر وادبيات الزعماء الوطنيين وبينهم الفاضل بن عاشور .وزعماء الديوان السياسي واللجنة التنفيذية للحزب الدستوري .
لقد اختلف مفهوم “الامة التونسية” عن المفاهيم التي دافعت عنها التجارب القومية في تركيا من جهة وسوريا ومصر والعراق من جهة ثانية ..
في المشرق برزت ” قطيعة ” بين القوميات المختلفة لأسباب عديدة من بنيها أخطاء العثمانيين خلال هيمنتهم على الشام ومصر والعراق ..
في المقابل كان زعماء الحركة الوطنية في تونس والبلدان المغاربية يومنون ب”الامة القطرية ” في نفس الوقت الذي يتمسكون فيه بمرجعياتهم العروبية الإسلامية ..
في هذا السياق نسجل أن تصريحات الزعيم صالح بن يوسف ومواقفه العلنية تثبت انه كان ” وطنيا تونسيا حداثيا ” و”عروبيا” في نفس الوقت .. نفس الاستناج يقدم عن الزعيم الحبيب بورقيبة الذي حاول أن يوفق منذ كان في النصف الثاني من الاربعينات مقيما في مصر بين مواقفه الحداثية والوطنية التونسية والبعد العروبي الإسلامي..
والزعماء علي البلهوان ويوسف الرويسي والمنجي سليم كانوا جميعا من انصار ” الهوية التونسية ” و” الامة التونسية” و” العمق العروبي الإسلامي”..
طه حسين وسلامة موسى
لكن ادبيات الثعالبي وبورقيبة وبن يوسف وبن عاشور وعلي البلهوان كانت تختلف عن الدعوات الى ” الامة المصرية ” و” الدولة القطرية الفرعونية” التي برزت بين الحربين وبعد الحرب العالمية الثانية ..
+هناك نقاط التقاء بين الدفاع عن ” الامة التونسية ” وتيار” المصرنة ” في مصر ، الذي برز خاصة مع كتاب المفكر والاديب الشهير طه حسين” مستقبل الثقافة العربية في مصر” ..
لكن منذ الثلاثينات برزت في تونس والدول المغاربية حورات في وسائل الاعلام وبين النخب حول تيار” الامة التونسة” و” التونسة و”المغربة” ( نسبة الى المغرب ) و”الجزأرة”( نسبة الى الجزائر) ..وبرزت دعوات وكتابات وتصريحات تؤكد ” على الخصوصيات المحلية”..
لذلك برزت ” الوطنية بالمفهوم الحداثي” في تونس والدول المغاربية ، دون قطع مع الانتماء العربي الإسلامي ، أي مع المشترك مع التيار الوطني في كامل المنطقة ..
دولة عربية واحدة ..أم ” خلافة ” و”سلطنة “؟
* عمليا ، هل وجدت تاريخيا “امة عربية موحدة ” على رقعة جغرافية واضحة أم وجدت ” سلطنة” و” خلافة ” ودول تتوسع حينا وتتقلص مساحتها حينا اخر بعضها قطري وبعضها اقيلمي؟
– هذا سؤال وجيه إذ أن الأمة العربية مشروع نبيل و طموح و حلم مشروع، و يقتضي تحقيقه التحلي بالإيمان بالهدف و كذلك التحلي بالواقعية، ذلك أن الأمة العربية لم توجد بصفة ملموسة كما يقول المؤرخ هشام جعيط و مهمة بنائها تفترض القبول بالتنوع في إطار الحضارة العربية الإسلامية…و لاتزال هناك مسائل خلافية تستوجب التجاوز ، و ليست العبرة بالتسرع بقدرما هي بصياغة مشروع وحدوي جامع على أسس العقلانية و المدنية و الديمقراطية…و لا يجب الطعن في الكيانات القطرية التي وجدت منذ حقب طويلة ..مثلا بالنسبة لمصر فان جذورها بعيدة جدا وتعود الى حضارات النيل والفراعنة ..وتغيرت وضعية دولها مرارا طوال القرون الماضية ..
و تونس كيان عريق في التاريخ و له استمرارية ثابتة منذ آلاف السنين …بل إن هذا الكيان بعد الفتوحات العربية والإسلامية اخذ اشكالا مختلفة .. وبعضا تمتع بقدر كبير من الاستقلالية والتميز ..بدءا من “الدولة الأغلبية” في القيروان، التي توفرت فيها ملامح خاصة … و هذا يصح بدرجات على الجزائر و المغرب و ليبيا…
مرجعات فكرية
بحكم تجربتك في البحث التاريخي والفكري ومواكبتك عن قرب لمختلف التجارب الوطنية العلمانية والإسلامية والحركات القومية العروبية واليسارية التقدمية .. وأمام تعاقب انهيار اغلب ” النماذج” السياسية الوحدوية في والتحررية في المنطقة بما فيها ” البعثية ” و” العصمتية ” هل تعتقد ان الخلل فكري ثقافي ام سياسي ام ان الخلل كان عند استلام الحكم ؟
+ رغم أهمية العرض الذي قدمه حزب البعث ومؤسسوه بزعامة المفكر ميشيل عفلق فإن الانخراط الواسع للجماهير لم يحصل مما دفع النشطاء المناضلين إلى إعتماد الانقلابات العسكرية للوصول الى الحكم فبقيت الفكرة القومية حبيسة النخب التي روجت خطابا حالما دون أن تتجه إلى تقديم مشروع واضح للوحدة و دون أن تفرز القوى الاجتماعية الحاملة للمشروع …و حتى عندما التقى البعث بالناصرية في أول تجربة قومية وحدوية بقيت دعائم القطرية قائمة و قوية و من ورائها الفئات التي تتضارب مصالحها مع الوحدة و هذآ أدى إلى فشل التجربة…و ربما وجب الإعداد للمشروع القومي على المدى الطويل .
أسباب الهزيمة عسكرية ام ثقافية وحقوقية ؟
لماذا وقع التمادي في نفس الغلطات تقريبا رغم الكتابات والدراسات المعمقة التي صدرت بعد ” نكسة حزب حزيران / يونيو 1967 ثم بعد سلسلة الاقتحامات الإسرائيلية للبنان منذ السبعينات واحتلال بيروت في 1982 ؟
ولماذا لم تقع الاستفادة من غلطات حروب الخليج التي اسفرت عن اهدار طاقات اغلب دول المنطقة ثم مهدت لاحتلال العراق في 2003 وتدمير ليبيا واسقاط حكم معمر القذافي في 2011 وحكم علي عبد الله صالح في اليمن في 2012..؟
هل لم يحن بعد وقت الاعتراف بكون الهزائم لم تكن فقط عسكرية بل كذلك سياسية حقوقية وثقافية وفكرية وقيمية؟
**فعلا صدرت كتب معمقة جدا حول ” المراجعات الفكرية والسياسية ” ، من بينها كتاب المفكر السوري ياسين الحافظ “ّالهزيمة والأيديولوجية المهزومة ..”
والدعوة مجددا الى القيام بالمراجعات ظاهرة إيجابية ومسؤولة .. وهي تؤكد عدم الابتعاد عن روح المشروع الوحدوي مع الحرص على القيام بالنقد الذاتي العلني الجريء ..
صحيح أنه برزت منذ حرب جوان 1967 دعوات للمراجعات ..وتعاقبت الدعوات بعد كل الحروب والهزائم ..
لكن على انصار الدولة الوطنية القطرية او المشاريع ” الوحدوية ” ان يدركوا أن فشل الدولة الوطنية التي رفعت شعارات وحدوية مختلفة يعني وجود حاجة ملحة للقيام بمراجعات جدية وواضحة وعلنية في اتجاه الإقرار بسلبيات النظم التسلطية والحاجة الى اعتماد سياسيات ديمقراطية وتعددية .
المراجعات يجب ان تشمل في نفس الوقت السياسات التنموية المتبعة والتقدم الجزئي الذي تحقق في قطاعات مثل التعليم والصحة والبنية الأساسية .ولا بد من الاعتراف ان من بين أسباب سقوط الأنظمة القومية والتقدمية البعثية والناصرية والاشتراكية فشلها في تكريس دولة القانون وحقوق الانسان وتكريس كرامة المواطنين عبر ضمان حرية التعبير والتفكير والتداول على السلطة والحريات ورفض خيار الرهان على الأنظمة العسكرية والأمنية وعلى الانقلابات ..
أين الدور المصري ؟
هنا يحق للجميع ان يتساءل أين الدور المصري ؟ أين النخب المصرية التي كانت رائدة منذ اكثر من قرنين في مسارات الإصلاح والتغيير والنهضة وتزعم مسارات الكفاح الوطني ضد الاحتلال بانواعه ومركزا استضاف اغلب قيادات النضال الوطني والقومي من كل البلدان بما فيها تونس والدول المغاربية ؟
++ مصر التي كانت مؤهلة لتلعب دور ” الإقليم القاعدة ” كما تصوره عصمت سيف الدولة، ولتكون قاطرة لتحقيق شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة لم تنجز هذه المهمة ..وتعثر المشروع الناصري في تحقيق أهدافه القومية والمحلية لاعتبارات داخلية وخارجية…
وبعد صدمة نكسة جوان 1967 تبين أن الطريق إلى الوحدة كانت مسدودة ووجب البحث عن أسباب الفشل بصفة موضوعية و بعيدا عن التسرع و احتكار السلطة ..
و سرعان ما برزت قوى طفيلية مرتبطة بأطراف استعمارية جديدة و بقوى اجتماعية معادية للوحدة ..
من 1967 الى احتلال العراق في 2003 تعاقبت محاولات ايقاظ الضمير العربي فبرز عبد الله العروي و هشام جعيط وسمير امين و مفكرون وطنيون واصلاحيون من كل الاتجاهات في كل بلدان المنطقة بما فيها تونس وشمال افريقيا …
لكن “الأنظمة التقدمية العربية “الجديدة فشلت بدورها ..لانها لم تعتمد الديمقراطية والحريات ..ففشلت كل مشاريعها عن التصنيع والتعليم والبحث العلمي واستثماراتها العملاقة في قطاعات النووي والثورة الصناعية في الجزائر واستثمارات القذافي في قطاعات المياه مثل النهر الصناعي ..
وتزامن الفشل الداخلي مع استفحال التدخل الخارجي ..فكان احتلال العراق وسلسة الحروب واخرها ضرب المقاومة الفسلطينية واللبنانية وحلفائها ..ثم أخيرا سقطت دمشق ” قلب العروبة النابض ” في سوريا
مستقبل سوريا ؟
وكيف تنظر الى ما وقع في سوريا مؤخرا ؟ هل يتعلق الامر فعلا ب” ثورة شعبية ” حققت أهدافها بعد سنوات من القمع ام ب” مؤامرات ” خارجية كانت تركيا وواشنطن وإسرائيل طرفا فيها ، ووقع توظيف قوى محسوبة على ” الإسلام السياسي” لتنفيذها؟
+ تركيا دولة قومية تسعى لخدمة مصالحها وكذلك ايران .. لكن السؤال اين الدول العربية ؟
ولا شك ان لتركيا وغيرها مصالح كبيرة في سوريا ..لكن باي حق بقيت قيادات حزبية وسياسية في الحكم عشرات السنين في سوريا ؟
وباي حق احتكرت تلك القيادات الحكم باسم الشعارات البعثية والقومية والوطنية والتقدمية في انتهاكات خطيرة لحقوق المواطنين بما في ذلك الحق في التعبير وفي التنمية ؟
تجربة حكومة ادلب ؟
هل تتوقع ان تنجح الحكومة السورية الجديدة باعتبار اغلب أعضائها اكتسبوا تجربة في الحكم وفي الإدارة وفي تسيير 5 ملاين مواطن منذ 7 أعوام في ” حكومة ادلب” شرقي البلاد ؟ أم سنتصر مجددا انصار حزب البعث وحلفاء ايران وروسيا والمقاومة اللبنانية ؟
+ الخطاب الثوري لا يمكن أن يقنع لوحده اذا لم تتوفر عدة شروط من بينها احترام المواطن السوري وكرامته المادية والمعنوية ..
والنتيجة قد تكون عكسية ..وهذا ما يفسر بروز أصوات حاليا في سوريا تعتبر المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومحور المقاومة “اخطر من إسرائيل وامريكا” ..
متغيرات اقليمة ودولية
والمستقبل ؟
++ انهار النظام السوري في سياق المتغيرات التي تشهدها المنطقة بالتزامن مع مخططات غربية تسعى لبناء “شرق أوسط جديد” يقبل بإسرائيل و يدفع الأنظمة العربية للانخراط في الديمقراطية والانتقال الديمقراطي والتداول السلمي حسب النموذج الغربي ..
ووقع تكليف قوى إقليمية بإنجاز هذا الشرق الأوسط الجديد ومن بينها تركيا.
و في المنطقة اليوم ثلاثة اقطاب إقليمية : ايران وتركيا ومحور عربي بزعامة مصر والسعودية ..
الغرب اعطى فرصا لبعض القوى الإقليمية الصاعدة من بينها العراق وايران وتركيا ..
لكن ايران ازعجت المشروع الغربي وبدأت في بناء محاور اقليمية شانها شان العراق سابقا عندما سعى الى بناء قوة تكنولوجية ونووية ..
وقع تعويضهما بقوة إقليمية أخرى عضو في الناتو هي تركيا ..المحكومة من قبل تيار قومي تركي “إسلامي حداثي سني ” ..وهي متمسكة بالنظام الديمقراطي داخل تركيا ولها علاقات مع إسرائيل ..لكن لها توجه تحرري وتحفظات على بعض سياسات شركائها في الحلف الأطلسي .
مثلما كان اتاتورك ملهما للحركات القومية الإقليمية لتغير أنظمتها وقياداتها عبر الانقلابات ..فان لتركيا “موقف متقدم” معارض لإسرائيل ، رغم عضويتها للحلف الأطلسي ..هذا الموقف قد يسمح لها بان تعوض جزئيا “التأثير الإيراني” في الشعوب العربية وفي فلسطين وكامل المنطقة ..
لكن قد تجد تركيا نفسها قريبا في احتكاك وتنافس وتناقض مع دور قوى إقليمية عربية إسلامية كانت بدورها تختلف مع ايران مثل السعودية ومصر..
سيقع صراع على الزعامة العربية والسنية ..اذا لم تقع تفاهمات ..خاصة ان مصر التزمت ” صمتا مثيرا للانتباه ” منذ عملية طوفان الأقصى وبدء حرب الإبادة في فلسطين وفي قطاع غزة خاصة ..
كرة ثلج جديدة ؟
بعد عام ونصف من زلزال الأقصى تشهد المنطقة زلازل ومتغيرات كان اخرها الزلزال اللبناني وتصفية زعماء حزب الله وتبادل القصف بين إسرائيل وايران واليمن ( الحوثيين ) ثم جاء “الزلزال السوري ” فانهار نظام حزب البعث في سوريا ..
هل من المتوقع ان يتواصل ” تزحلق كرة الثلج” ؟ وهل تنعكس المتغيرات في سوريا على دول وشعوب أخرى ؟؟
++ نحن “نقترب من ساعة الحقيقة” في المنطقة ..التي تتمثل في تحديد مواقف الرياض والقاهرة وجامعة الدول العربية مما يحدث في سوريا وفلسطين ولبنان وفي كل المنطقة ..وهل ستقبلان بتوسع الدور التركي في سوريا ..بما يعني الموافقة على ان تصبح تركيا دولة على حدود فلسطين المحتلة والمناطق التي تسيطر عليها إسرائيل ..
المجال الحيوي التركي توسع ..والسؤال حول حقيقة موقف واشنطن وأصحاب مشروع الشرق الأوسط الجديد مازال دون إجابة ..
ثم ما هو مآل السلطة الفلسطينية التي تجمعها بتل ابيب اتفاقيات أوسلو و بعد صمتها الغريب و” حيادها ” في أهم معركة خاضها الفلسطينيون في الداخل؟؟