من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

ليبيا.. النفط و إعادة بناء الدولة بقلم د. مصطفى الهوني

ليبيا.. النفط و إعادة بناء الدولة بقلم د. مصطفى الهوني

لقد أثبتت الحالة الليبية أن الفوضى لا يمكن أن تكون خلاقة أو بناءة، بل قد تنجم عنها كوارث تتجاوز آثارها حدود ليبيا ودول الجوار، لتصل إلى عواصم الغرب.

إضافة إلى كونها رابطا يجمع دول المشرق العربي بشمال أفريقيا، كانت ليبيا مهيأة أيضا للعب دور مميز على طرفي البحر الأبيض المتوسط، شماله وجنوبه. وكان متاحا لهذا البلد أن يكون نموذجا يقاس عليه في توطين المعرفة والتكنولوجيا، إلا أن فساد الإدارة وسوء الحكم حولا الفرصة التاريخية إلى كارثة تاريخية، لتصبح ليبيا اليوم منطقة عبور لطوفان من المهاجرين، ومصنعا لتأهيل كوادر الإرهاب والمتطرفين.

و السؤال المطروح، هل يمكن إعادة بناء هذا البلد، وما هو الدور الذي ستلعبه الموارد الطبيعة، التي تتواجد فيه بوفرة، لتحقيق هدف بناء الدولة.

يمكننا، دون أن نتجنب الموضوعية، القول إن نظام الحكم السابق للعقيد القذافي اعتمد الفوضى في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية، رغم وجود مؤسسات رسمية، مثل المؤتمر التشريعي، ومؤسسة القضاء ومؤسسة الدفاع والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، التي كانت، وبسبب منهجية تفكير الزعيم الأوحد، تدار بطريقة فوضوية، اعتمادا على لجان شعبية، وترقيات استثنائية، ومجموعات ثورية لا حدود لصلاحيتها. ونتيجة ذلك كله أصبح البلد مرتعا للفساد بكافة مظاهره، ليستشري التخلف والجهل والفقر والمرض بين الليبيين.

في ظل هذه الظروف المأساوية لم يكن مستغربا أن تظهر الاحتجاجات التي تحولت فجأة إلى انتفاضات انتهت بالانقضاض على أركان النظام، الذي عجز نتيجة للفوضى عن المقاومة ومعالجة الأزمة، لتقضي عليه الانتفاضة في نهاية الأمر. وهذا بالتأكيد لا يلغي دور عوامل أخرى جانبية ساعدت على إسقاطه بهذه السرعة وبهذا الشكل المدوي.

المرحلة التي تلت سقوط النظام تلتها محاولة بناء مؤسسة سياسية، لكن، ولأسباب داخلية وخارجية، تم تبني سياسة متسرعة للانتقال إلى الشرعية دون إعداد كاف لها، لتظهر على الواجهة السياسية مجموعات أمضت جل وقتها وتجاربها خارج ليبيا، وشملت هذه المجموعات أقصى اليمين وأقصى اليسار وما بينهما، وكان هدفها الوحيد هو الاستيلاء على السلطة وسط فراغ سياسي ملحوظ.

هذه المرحلة مازالت مستمرة، ويمكن وصفها بدولة الفوضى، حيث أصبحت الفوضى القانون الوحيد الذي تدار به ليبيا اليوم، بل لا يمكننا إطلاق وصف الدولة على ما يجري في ليبيا حاليا. فعناصر الدولة التقليدية هي الأرض والمواطنة والنظم والتشريعات، وسلطة هذه العناصر تغيب عن ليبيا اليوم، حيث الأرض أصبحت مستباحة ومقسمة، تدار بصورة فوضوية من قبل مجموعات لا شرعية حقيقية لها، والمواطنون مهجرون غير آمنين على حياتهم وممتلكاتهم، والأطفال والنساء يتم خطفهم في وضح النهار، والسلطة على الأرض موزعة بين مجموعات مسلحة تتقاسم البلاد والعباد.

ما يجري اليوم في ليبيا هو تكريس عملي ممنهج للفوضى الخلاقة، المفهوم الذي تمت بلورته أواخر القرن الماضي من قبل بعض السياسيين والمفكرين في الغرب.

لقد أثبتت الحالة الليبية أن الفوضى لا يمكن أن تكون خلاقة أو بناءة، بل قد تنجم عنها كوارث تتجاوز آثارها حدود ليبيا ودول الجوار، لتصل إلى عواصم الغرب.

اليوم، بعد أن أصبحت الحالة الليبية واحدة من الأولويات على المستوى العالمي، وبعد أن تبين للجميع خصوصية هذه الحالة، يتضح استحالة تطبيق الوصفة الإصلاحية للأزمات الأخرى على الأزمة الليبية، فالطرق العلاجية التي تم تبنيها في العراق وسوريا واليمن، بل حتى في تونس ومصر، لا يمكن تطبيقها هنا، ويعود ذلك لعوامل ثلاثة هي: الموقع الجغرافي المتميز، والموارد النفطية والطبيعية، إلى جانب العامل الديموغرافي.

ومن بين هذه العوامل تحتل الموارد الطبيعية، خاصة النفطية، مكانة بارزة لارتباطها الوثيق بالاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، ويمكن أن تشكل عوائدها حافزا رئيسا لعودة الاستقرار إلى ليبيا.

إنتاج وتصدير النفط في المستقبل القريب سيكونان عاملين هامين في تمويل وبناء المؤسسة العسكرية والأمنية، دون اللجوء إلى الاقتراض أو استجداء المساعدات الخارجية. كذلك ستلعب هده العوائد دورا بارزا في تجنب الوقوع في مستنقع الكساد الاقتصادي، الذي تعاني منه دول الجوار، التي كانت مسرحا لأحداث مشابهة للحالة الليبية، إذ أن تفعيل الأنشطة الاقتصادية، خاصة مشاريع البنى التحتية والمشاريع الصغرى والمتوسطة يمكن الشروع في إنجازها اعتماداً على الموارد المالية المتوقعة حالياً ومستقبلياً.

إن مقترح جمع الأسلحة وتفكيك الميليشيات يحتاج حتما إلى موارد مالية، سواء وظفت في شراء وتخزين الأسلحة أو المقايضة بها أو في تأهيل الثوار، وهذا يستلزم بالضرورة اللجوء إلى العوائد النفطية.

أما بالنسبة للخارج، فإن عودة النفط الليبي إلى السوق الدولي، رغم تخمة المعروض حاليا، سيخفف من الاعتماد على مصادر نفطية أخرى مثل الغاز الروسي، كذلك ستساهم إعادة الإعمار في خلق فرص استثمارية للعديد من الشركات العالمية. وستسرّع العوائد النفطية، في حال إدارتها بطرق حكيمة، من خلال مؤسسات تشكل لهذا الهدف، عملية انتقال ليبيا من دولة للفوضى إلى دولة للاستقرار.

كاتب و محلل سياسي ليبي

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *