من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

وعد بلفور.. جذور المسألة الاستعمارية و تجلياتها … بقلم ساري عرابي

وعد بلفور.. جذور المسألة الاستعمارية و تجلياتها … بقلم ساري عرابي

صحيح أن محض الوعود لا ينشئ دولاً، ولكن وعد بلفور لم يكن وعدًا مجرّدًا، وإنما جاء في قلب سياق طويل؛ هذا الوعد هو أهمّ ما فيه، لأن بقيّة العناصر التي ساهمت أو ساعدت، على نحو مباشر مقصود، أو غير مباشر وفي النتيجة، على إقامة دولة استعمارية غربية تُسمّى “إسرائيل”، تفصل مشرق العرب عن مغربهم، كانت -أي بقية العناصر تلك- متصلة على نحو ما بهذا الوعد وظرفه الاستعماري.

يمكن قول كلام كثير بخصوص الأهداف الغربية من السعي لتأسيس “إسرائيل” ثم حمايتها فيما بعد، من قبيل الحديث عمّا عُرف بـ “المسألة اليهودية”، أو الأهداف الاستعمارية الغربيّة الخاصّة، أو غيرها، بيد أن الذي يهمّنا هو ذلك الجانب العملي المباشر والواضح والذي مسّنا نحن الفلسطينيين والعرب مباشرة، أي الجانب الاستعماري، الذي انبثقت عنه أسباب أخرى أفضت إلى تأسيس “إسرائيل”.

إنّ التناول الأكاديمي للمسألة اليهودية مهمّ، ومهمّ للسياسي كذلك، إلا أنّ الجانب العملي أكثر ضرورة، لاتصاله الوثيق بالفعل والتدافع، وبالظروف التي ظهرت فيها “إسرائيل”، وأبقتها موجودة حتى اللحظة، فالتغير الهائل الذي حصل في التاريخ، وتجلّى باحتلال فلسطين، وإقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين” بحسب عبارة بلفور، يشير إلى جملة عوامل وظروف، قابلة بدورها للتحول والزوال، وبالتالي فإن استمرار “إسرائيل” في الوجود ليس بدهية تاريخية مطلقة، بل هي مسألة قائمة بقوام غيرها مما هو في طور التحوّل والتغيّر.

فعليًّا وعد بلفور هو تعبير عن هزيمة عسكرية مُنيت بها الدولة العثمانية، ونتيجة لتفاهم فرنسي بريطاني مسبق على اقتسام ممتلكات هذه الدولة، وإعادة صياغة المشرق العربي بصورة مختلفة كليًّا عمّا عهده العرب في هذه المنطقة عن أنفسهم، ويمكن أن نضيف، أنه تتويج لسعي غربي، أو تفكير غربي، سابق، منذ انكسار نابليون على أسوار عكّا في العام 1799، مرورًا بالبدء البريطاني الفعلي في التأسيس للمشروع الصهيوني في فلسطين منذ أن تبناه رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون في العام 1839.

” الانتداب البريطاني لم يُقم للفلسطينيين وحدة إدارية تكون نواة لمشروع استقلالهم، بينما أنشأ الانتداب، البريطاني والفرنسي، حكومات في ظلّه في البلاد العربيّة الأخرى. ”

بهذا يكون وعد بلفور تجليًّا لنوايا استعماريّة قديمة، أو تعبيرًا عن رؤية غربيّة لم تتآكل طوال مئة عام على الأقل، وتبلور فعليًّا في اتجاهين، الأول الهزيمة العسكرية التي وقعت بالدولة العثمانية وما أفضت إليه من تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين واجتراح بريطانيا فترة انتدابها سياسات تكرّس من الوجود اليهودي وتضعف الحركة الوطنية الفلسطينية التي غلبت عليها في حينه النزعة العروبية.
والثاني جعل المشروع الصهيوني عنصرًا في مشروع التقسيم الاستعماري، فإن كان تقسم المنطقة العربية من أهداف إقامة “وطن لليهود في فلسطين”، فإنّ هذه المنطقة جرى اقتسامها في اتفاقية سايكس بيكو قبل وقوع الانتداب البريطاني على فلسطين.

هنا يمكن أن نشير إلى جملة من المعطيات التي يغالطها الأداء العربي إزاء المأساة الفلسطينية، بهدف التنصّل من المسؤولية التاريخية عن ضياع فلسطين، وتحميل الفلسطينيين أنفسهم وحدهم تلك المسؤولية، إذ لم يكن، إلى حين الاستعمار البريطاني، ثمة دولة للفلسطينيين، الذين أخذوا مجتمعين هذا الوصف (أي الفلسطينيين) فيما بعد على مقاس الحدود الانتدابية، فهوية الشعب، الذي صار بحكم النكبة الشعب الفلسطيني، كانت جزءًا من الحالة السورية الخاضعة للترتيب العثماني الإداري الذي ربط دائمًا ما بين المدن الفلسطينية وتلك السورية واللبنانية وفي حدات إدارية واحدة.

فالذين هُزموا ابتداء هم العثمانيين، وإن كانت هزيمتهم غير منفصلة عن حركة “الثورة العربية الكبرى” التي أسسها البريطانيون وانتهت فيما انتهت إليه إلى احتلال فلسطين، ثم تكرّست الهزيمة لاحقًا، بهزيمة الجيوش العربية في حربي العام 1948، و1967، وهنا تجدر الإشارة إلى نقطتين.

الأولى؛ أن الانتداب البريطاني لم يُقم للفلسطينيين وحدة إدارية تكون نواة لمشروع استقلالهم، بينما أنشأ الانتداب، البريطاني والفرنسي، حكومات في ظلّه في البلاد العربيّة الأخرى، والمعنى من ذلك، أنّه لم يكن للفلسطينيين حكومة تُدافع عنهم وتقاتل الحركة الصهيونية إبّان النكبة، سوى ما كان من تجمعات نضالية شعبية طوعية.

الثانية؛ أن الدول المستقلة عن الانتدابين البريطاني والفرنسي، والتي بعضها طفح ناتئ على وجه التاريخ لا معنى لوجوده منفردًا عن سياق عربي أكبر، تماهت تمامًا مع التقسيم الاستعماري، ولم تنظر للمأساة الفلسطينية في بعدها التقسيمي الاستعماري، الذي أسس تلك الدول في طريقه لإقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين” يُفترض أن من أهدافه خلق شقّ كبير في جغرافيا العرب الكبرى، وبالتالي كان ثمّة شكّ عميق في جديّة تلك الدول في موقفها من الوجود الصهيوني في فلسطين.

” لا تستقل القضية الفلسطينية عن القضية العربية، لا في جذورها التاريخية و لا في واقعها الجاري، وكلا المسألتين انبثاق عن لحظة استعمارية هُزم فيها المسلمون و العرب. ”

إنّ الفلسطيني الذي كان جزءًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من المناطق السورية التي استقلت ضمن دول انفصلت عن بعضها فيما بعد وسُميّت سوريا والأردن ولبنان، وجد نفسه في اليوم التالي للنكبة غريبًا وأجنبيًّا وغير مرغوب فيه، ولم تبرز النتائج السلبية لهذا التصوّر العربي في ظروف اللاجئين الفلسطينيين فحسب، ولكن فيما بعد في إعاقة ثورتهم المعاصرة ومحاولة استغلالها، ثم إجهاضها، كما تبرز الآن في التآمر على قضيتهم، وحصار مقاومتهم، وبذل الجهد في تطبيع وجود “إسرائيل” في المنطقة.
لا تستقل القضية الفلسطينية عن القضية العربية، لا في جذورها التاريخية ولا في واقعها الجاري، وكلا المسألتين انبثاق عن لحظة استعمارية هُزم فيها المسلمون والعرب، وقد كان وعد بلفور تعبير عن تلك الحقائق المتجسّدة في انتصار المستعمرين وتحويل رؤاهم بخصوص منطقتنا إلى وقائع، وإن كان الأمر كذلك، فإنّ الحلّ يكون بإعادة الاعتبار لوحدة القضيتين، وتفكيك الأساس الاستعماري الذي أفضى إليهما.

ساري عرابي كاتب فلسطيني

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *