من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

الدكتور هشام جعيط: العالم العربي في حالة مخاض لا ندرك مستقبله ..و رسالتي للتونسيين ..حافظوا على النظام الديمقراطي مهما كلفكم من مصاعب

الدكتور هشام جعيط: العالم العربي في حالة مخاض لا ندرك مستقبله ..و رسالتي للتونسيين ..حافظوا على النظام الديمقراطي مهما كلفكم من مصاعب

تطرق المفكر والمؤرخ التونسي هشام جعيط في هذا الحوار مع «القدس العربي» إلى ما يجري في العالم العربي، معتبرا ان استقرار فكرة الدولة الوطنية منذ فترة الاستقلال في العالم العربي، شكل اللبنة الأساسية للصراعات بين الدول التي كانت تربطها سابقا فكرة الدولة القومية. وقال ان البعض جعل من الإسلام ركيزة وأوله تأويلات راديكالية جذرية. وأوضح ان الشعوب العربية والمسلمة، لا تقرأ تاريخها وتجهل بعض الحقائق التاريخية التي لها تأثير كبير على توجهات وقضايا في حياتنا المعاصرة. وقال ان ما حدث في تونس والعالم العربي هي ثورات، وأخفقت هذه المحاولات ربما لأن هذه الشعوب لم تكن مستعدة للدخول في الديمقراطية. يشار إلى ان الكاتب التونسي هو أستاذ زائر في كل من جامعة ماك غيل (مونتريال كندا) وجامعة كاليفورنيا، بركلي ومعهد فرنسا. وتولى سنة 2012 رئاسة مجمع بيت الحكمة في تونس. وله الكثير من المؤلّفات منها، «الشخصية العربية الإسلامية و المصير العربي» و «الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية» و «الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر» و«أزمة الثقافة الإسلامية» و«في السيرة النبوية1 الوحي والقرآن والنبوة» و«تأسيس الغرب الإسلامي» و«في السيرة النبوية 2: تاريخية الدعوة المحمدية» و
«أوروبا والإسلام: صدام الثّقافة والحداثة». و«في السيرة النبوية.3: مسيرة محمد في المدينة و انتصار الإسلام». و هنا نص الحوار:

 

○ كيف تنظرون إلى ما يحصل اليوم في العالم العربي من صراعات ؟ 

• العالم العربي في اضطراب، وهذه المنطقة ليست إلا جزءا من العالم الإسلامي واتخذت شكلا آخر بعد التطور الحداثي الذي حدث منذ 500 سنة في البلدان الغربية. الآن العالم العربي والإسلامي في اضطراب ولا بد ان ندخل في هذا المضمار، أفغانستان وإيران وباكستان وحتى اندونيسيا، فهذه البلدان في اضطراب وخاصة الرقعة العربية التي كانت في القرون الأخيرة أكثر الرقاع الإسلامية تأخرا. لا ننسى أن في القرون الحديثة بدءا من الخامس والسادس عشر إلى حرب 1914، الدولتان الكبيرتان المسلمتان كانتا، العثمانية، وعمادها الأتراك، وأيضا الفارسية، وإلى حدود الوجود البريطاني في الهند كانت هناك دولة ما يسمى بالمغول، والرقعة العربية، بمعنى المتعربة، أي في الشرق الأدنى كانت في تأخر كبير وتابعة منذ قرون للدولة العثمانية ثم صارت تحت احتلال الدول الأوروبية. ودخلت هذه الدول في التاريخ الحديث في القرن العشرين وبالأخص منذ فترة الاستقلال والتحرر أي خلال خمسينيات القرن الماضي. إذ كان العالم العربي مستعمرة كبرى مهيمن عليها وصارت متأخرة في مسار التاريخ. والآن يقع تمخض لا يمكن ان ندرك مستقبله. وهنا لا بد ان نذكر بتأثير استقرار الدولة الوطنية. فالدولة، الأمة قويت حتى في بلدان كانت في الماضي متأخرة جدا مثل السعودية وممالك الجزيرة العربية. فالدولة الوطنية على منوال الدول الأوروبية صارت مترسخة أكثر، وهذا ما يفسر إلى حد كبير الاضطراب الحاصل والابتعاد تماما عن الفكرة القومية التي دعا إليها جمال عبد الناصر وأحزاب البعث وغيرها. فقد ترسخت هذه القوى بما ينتج عن ذلك من أنانية وطنية وصراعات بين الدول ودخولها في معتركات مثل ما يقع في سوريا. وأخذت القوى المتصارعة بشعار الإسلام، لان هذه القوى اعتبرت انه ليس لها أيديولوجيا أخرى مثل الأيديولوجيا الماركسية التي قام عليها الاتحاد السوفييتي والصين الماوية. لم يجد هؤلاء رابطا آخر يمكن ان يمثل رمزية كبيرة لدى هذه الدول إلا الإسلام، ومنهم من أوله تأويلا خاصا ومختلفا تماما أي ما يسمى بالإسلام الجذري الراديكالي.

○ وما أسباب ارتماء الشباب العربي والمسلم في أحضان الجماعات الإرهابية؟

• أفضل عدم الخوض في هذه المسألة. فأنا شخصيا أتألم من كون المثقفين العرب و المسلمين بصفة عامة ما زالوا متأخرين فكريا و علميا. و بالتالي كان همي الأساسي هو الانغماس في كتابات فكرية لعله وقع تجاوزها الآن لكن هذا ما سيبقى عندما تستقر الأمور، و ستستقر في يوم ما.

○ هل يمكن لتونس ان تجد المعادلة بين الديمقراطية والنمو، وهل ما حصل في تونس والعالم العربي هو ثورات أم مؤامرات خارجية حسب ما يعتبر البعض ؟

• ليست هناك مؤامرة. هي ثورة وبمعناها الكامل. هناك تجربة قام بها الشعب التونسي بتأثير من الفكر الأوروبي، ووجدت في البدء صدى لدى الشعوب التي عرفت تأثيرا أوروبيا قديما من الاستعمار مثل مصر وليبيا وحتى اليمن وسوريا بالخصوص، وأخفقت هذه المحاولات ولعل هذه الشعوب لم تكن مستعدة للدخول في الديمقراطية .

تونس اليوم في فترة انتقال و حافظت على هذه الفكرة إلى حد الآن مع كثير من الاضطراب، لان الشعب التونسي في أغلبه غير متعود على هذا المنوال من السياسة الديمقراطية وحرية التظاهر والتعبير وغير مستعد لها. وأيضا حتى في مسار أوروبا عرفت «الديمقراطية» هزات متعددة ولم تترسخ إلا في آخر المطاف بعد ان دُمرت النازية الألمانية والفاشية الايطالية، وحتى بعد ان سقط الاتحاد السوفييتي الذي لم يكن يعرف الديمقراطية السياسية. المعادلة صعبة ولا نتعجب من حدوث الاضطرابات. كل ما يمكن ان أبعثه كرسالة، ان تونس يجب عليها ان تحافظ على المكسب الديمقراطي مهما كلف ذلك من متاعب اقتصادية واجتماعية، لان المتاعب الاقتصادية والاجتماعية ستحل بطول الزمن. لان الديمقراطية يجب ان تتزامن مع نمو اقتصادي ويلزمها مسار، نحن بدأنا وما زالت الخطوات.

 

○ نظرية صراع الحضارات، هل هي قائمة اليوم من خلال ما نشهده من حروب و صراع بين الدول الكبرى ؟

• الحضارات لا تتصارع والعالم توحد. وما يحصل أعتقد أنه حركية تاريخية وليس مسألة صراع حضارات، وفي الحقيقة ليس هناك الآن حضارات، بل هناك حضارة موحدة – ان أمكن ان نسميها كذلك – مرتكزة على أمور أخرى مثل التكنولوجيا والمال وما يتبعهما من فساد. فالفساد أصبح عالميا وبنسب ودرجات متفاوتة.

 

○ طرحتم في كتاباتكم حول الإسلام والتراث الإسلامي وآخرها كتاب «في السيرة النبوية» أفكارا حول الإسلام ونشأته، لو تحدثنا أكثر عن أهم الخلاصات التي جاء فيها ؟

• كتاب «السيرة النبوية» هو ضمن أجزاء ثلاثة، تناولت في الأول نظرة شمولية لولادة الإسلام وهو يدخل في مجال التاريخ المقارن للأديان والمقصود ليس فقط التوحيدية، بل أديان أخرى عالمية كالهندوسية و البوذية و الكونفوشيوسية. فالعرب ليس لديهم اهتمام كبير بالأديان الآسيوية الأخرى، لذا هو كتاب نصف تاريخي ونصف فكري. في الجزء الثاني والثالث دخلت في صميم التاريخ النبوي، فتكلمت عن الدعوة في مكة و ما كانت تقام عليه، وما هو أيضا الوسط الذي خرج منه الرسول محمد، أي الوسط القرشي و الجاهلي بصفة عامة. و تعمقت بدراسة ما سميته بـ «الأنثروبولوجيا التاريخية» أي التعمق في دراسة الدين الجاهلي وعلاقات القرابة و ما هي المحارم الموجودة في العلاقات بين المرأة و الرجل. و كذلك في مؤسسات كبرى معروفة مثل «الحج و العمرة و الحرم» التي هي مؤسسات دينية.

لقد تناول بعض المستشرقين القدامى وحتى الجدد هذه المسائل، لكن أردت التدقيق في هذه الأمور واتخذت منهجا أنثروبولوجيا صارما. فالمستشرقون القدامى لم تكن لهم في الحقيقة معرفة دقيقة بمناهج الأنثروبولوجيا الحديثة، و التاريخية تهتم – من هذه الوجهة – بدراسة ما هو ماض و ليست أنثروبولوجيا واقعية و حاضرة كما قام بها الأنثروبولوجيون الأمريكيون بالخصوص، أي دراسة المجتمعات البدائية بالملاحظة و غير ذلك. أنا درست هذه الأنثروبولوجيا التاريخية اعتمادا على النصوص الموجودة و المصادر عن كثب. و بالطبع قرأت الكثير عن المؤلفين الكبار في الأنثروبولوجيا. وأدخلت هذه الدراسات في الجامعة، و نتوصل من خلال هذا المنهج إلى ان الإسلام لم ينبثق من لا شيء – كما ترتأي الرؤيا الإيمانية البحتة، أي تنزيل الوحي من الله فقط. أي فقط إذا اعتبرنا – من وجهة إيمانية – من اهتمامات الرسول و نبوغه الخاص. و اعتبرت، يجب ان ندرس بصفة علمية الاتجاهات الدينية التي كانت موجودة في زمانه و التي غيرها الإسلام جذريا و لكن تواصل مع البعض منها، فالرسول لم يمح الحج مثلا والذي هو مؤسسة جاهلية و إنما أعطاه معنى جديدا. فالحج إلى عرفة كان في الجاهلية طقسا من طقوس عبادة الشمس، إنما الرسول أعطاه معنى آخر وجعله متجها فقط نحو الإله الأوحد أي الله، و مسح كل ما له علاقة بعبادة الشمس. و الحج كان مراحل، الحج و مزدلفة و منى، الرسول أبقى على مؤسسة النحر التي نسميها «الأضحى» و إنما في الواقع جعلها كواجب يدخل في العطاء للفقراء أي مسألة أخلاقية فقط. كما انه زاوج بين الحج إلى عرفة و مزدلفة و بين العمرة التي كانت مؤسسة أخرى متباينة عن الحج تقام في مكة بالذات، و هي مؤسسة محلية مكية قرشية بينما الحج مؤسسة بدوية. وربط الرسول بين هاتين المؤسستين و جعل الطواف حول الكعبة يدخل في مؤسسة الحج، فلا يمكن اتمام الحج إلا بالطواف حول الكعبة كآخر مرحلة بينما كانت هذه المؤسسات سابقا منفصلة عن بعضها البعض.

إذن الرسول أبقى على مؤسسات قديمة جاهلية وحولها تحويلا جذريا. وهذا درسته واهتممت به. ومن جهة أخرى وفي السياق نفسه انبثق الإسلام بتأثير من «المسيحية السورية» و حاولت دراسة هذه التأثيرات و هي في الواقع تخص ماهية الإله الذي دعا إليه الرسول، و هو موحد واحد وهنا جاءت الفكرة التوحيدية. وأيضا يبدو ان هناك تأثيرا من المسيحية السورية بخصوص «اليوم الآخر» و «ما بعد الموت» أي قيامة وتواجد عنصري الصلحاء و المؤمنين بالجنة، و جهنم هي النار بالنسبة للكفار و الآثمين. و الفكرة هذه موجودة عند المسيحيين في القرن السابع عندما ظهر الإسلام، ولم يكن العرب يعرفونه إلا بعض من «تمسح» منهم في الشمال بالخصوص واليمن. و لكن ليس في المنطقة التي انبثق منها الرسول وهي الحجاز. فالحجاز كانت لها شخصية دينية و كل هذه الرقعة التي تبتدئ من يثرب وتمتد إلى مكة ثم إلى الطائف، و ما حولها وما بين مكة والطائف، كانت رقعة مفعمة بالمقدسات الجاهلية التي يسميها القدماء «دين العرب» أي لها خصوصية دينية عربية و تغذي الهوية العربية بالخصوص في تلك المنطقة. و كان للعرب آلهة متعددة وفي هذه الرقعة كانت توجد مقرات للآلهة أهمها الثلاث التي ذكرها القرآن، اللات كان لها معبد في الطائف، و العزى كان لها معبد في النخيلة قرب مكة، ومناة كان لها موقع قريب من يثرب، في مكان يسمى الحديدة. و كانت هناك آلهة متعددة لدى قريش و القبائل العربية البدوية حيث كان هناك دين مهيكل قبل الإسلام و هي تعددية دينية و وثنية .

دعوة الرسول لم تقم على فرض إله جديد، إنما قامت على التوحيد أي إبعاد كل الآلهة الأخرى وعدم الاعتراف بها. القرآن لم يكن يعترف بتأليه المسيح ولم يكن يعترف أيضا بـ«الشريعة اليهودية» وإنما فقط يعتبرها كماض تجاوزه القرآن آخر الكتب السماوية. فهو لا يعتبر انه بعيد تماما عن المسارات التوحيدية في الشرق الأدنى آنذاك وإنما يعتبر انه أكمل التوحيدية وأعطاها حقها الحقيقي. ولذا اعتبر القرآن أنه يدخل في المسار التوحيدي ولكنه يتجاوزه وهذا ما عبر عنه بكلمة «المهيمن» والتي لا تعني المسيطر كما تطورت الآن الكلمة – إنما يعني انه في الوقت نفسه يعترف بالكتب التوحيدية المقدسة التي جاءت من قبل ويضمنها أي يعطيها ضمانة ويتجاوزها في الوقت نفسه، أي يعطيها آخر صورة لكل هذا المسار التوحيدي الذي له آلاف السنين.

 

○ هنا ما أهمية إعادة قراءة تاريخ منطقتنا من النواحي الأنثروبولوجية ؟

• الكثيرون لا يقرؤون تاريخهم وحتى المثقفين لا يهتمون بدراسة المجال الديني من نواحي أنثروبولوجية واجتماعية. هنا أريد ان أشدد على أهمية دراسة الدين الإسلامي وظروف نشأته وبداياته والمجتمع الذي جاء فيه وكيف أصبح بعد ذلك «ثورة حقيقية». الفيلسوف الألماني هيغل كان يرى ان الإسلام هو ثورة الشرق. أريد ان أضيف هنا، في مسار الرسول كانت هناك فكرة تحذيرية للعرب تتجاوز حضارتهم القديمة، و هي فكرة توحيد العرب و كانوا شعبا متشرذما و قبليا، و اعطائه العنصر الأساسي – و هو العنصر الديني بالخصوص – و بالطبع تدخل فيه التشريعات و الأخلاق و غير ذلك، لكي يتوحد حول هذا المشروع الجديد و هذا ما حصل. تقريبا في حياة الرسول، الإسلام لم ينتشر بشكل كامل في الجزيرة العربية إنما خصوصا في الجزيرة العربية الغربية أي الحجاز، و لكن حصل شيء من الانتشار في رقاع بعيدة أخرى مثل اليمن، و هذا ما تناولته في الجزء الثالث. حيث أردت ان أدقق في كيفية انتصار الإسلام في آخر حياة النبي في الجزيرة العربية، و بالخصوص مع الخلفاء الذين فرضوا الدين تماما على كل الجزيرة، فالرسول واجه رفضا تاما من طرف قبيلته «قريش» باستثناء فئة قليلة من المؤمنين، و عرف المضايقات طوال سنوات حياته التي دعا فيها إلى دينه. إذ لم يتمكن من فرض الدعوة في مكة وفي ان يدخل قومه في هذا الدين الجديد. و هو حسب نظري أمر طبيعي لأنه ليس من السهل ان يتخلى شعب ما عن ديانته والتي تمثل هويته الأساسية، ولم يكن القرشيون مستعدون للدخول في دين يعتبرون ان آخر منابعه جاءت من الخارج، بالرغم من ان محمدا قرشي، وبالتالي حصل الصراع بين الرسول و قومه وانتهى بإخراج الرسول وتهجيره .

يقول الموروث التاريخي والكتابات الحديثة انه وقعت هجرة إرادية من طرف الرسول لكن القرآن يخالف هذه النظرة، إذ يتكلم عن إخراج وتهجير بالقوة.
فالقرار القرشي موجه خصيصا لمحمد ولم يكن موجها ضد الذين كانوا معه من أصحابه الذين هاجروا إراديا مع نبيهم. ثم تتالت بعض الهجرات من بعض العناصر بعد ان استقر النبي في المدينة.

و اعتبر الرسول ان من هاجر إلى المدينة وكان مع الله ورسوله وقطع كل العلاقات الاجتماعية والعائلية التي كان يعيش عليها، هو أمر ديني له قيمة كبرى. وفي الحقيقة لقد درست عن كثب في الجزء الثاني من كتاب «السيرة النبوية»، هذه الهجرة من طرف أصحابه، واعتبرت ان هناك تأويلات كبيرة نسجت حول هذه الفترة تخص ظروف التهجير والهجرة، لأن كتابي الثاني قام على السير والتواريخ وبالخصوص ابن اسحق والطبري وابن سعد وكل تلك المصادر القديمة، فقمت – كما يجب على المؤرخ – بنقدها أي بنبذ العناصر غير العقلانية منها .

 

○ مجال دراسة «نشأة الإسلام وبالأخص سيرة الرسول» يتطلب دقة كبيرة في ظل تعدد التأويلات والتفسيرات وتعدد المراجع فكيف واجهتم كل هذه الصعوبات ؟

• هذا المعجم التاريخي أخذ مني عشرين سنة وهو ليس بالأمر السهل، فقد قرأت مئات الكتب والمصادر، ودققت الأمور عن كثب لكي أتوصل إلى الكيفية التي كون بها الرسول «الأمة» أي الاعتماد على الرابط الديني لتكوين جماعة متضامنة وتجاوز الخلافات القبلية. ودرست عن كثب علاقة الرسول بيهود المدينة. فالفكرة الأساسية التي أردت التركيز عليها هي ان الرسول في المدينة لم ينجح من أول وهلة في مهمته، بل وجد صعوبات كبيرة، إذ كانت له سلطة معنوية فقط. وبعض المؤرخين الكبار يقولون انه كون دولة من أول وهلة وهذا غير صحيح، إنما شيئا فشيئا وعلى مراحل ضم إليه كل أهل المدينة في صراعه الأساسي وهو صراع بالخصوص ضد قريش أي ضد قومه الأصليين، ودخل في مراحل من الصراع الحربي لأنه اعتبر بعد تجربته الطويلة في مكة، ان القرشيين الذي كان لهم وزن في المنطقة والعرب بصفة عامة، لن يدخلوا في الإسلام أبدا إلا إذا فرض عليهم. إذن اعتبر الرسول ان العرب لا يؤمنون إلا بعلاقات وموازين القوى، وبالتالي توجه سلوكه نحو محاربة «قريش» والعرب بصفة عامة، وإجبارهم على الدخول في هذا الدين عن طريق تكوين سلطة عسكرية ومالية بتدرج. لأن أهل المدينة لم يكونوا مستعدين لتقبل هذه النظرة، صحيح دخل الأغلبية في دينه في المدينة، ولكن لم يكونوا مستعدين كلهم ان يدخلوا في مغامرة حربية تشمل كل الجزيرة العربية. وتكمن «عبقرية الرسول» في أنه عرف كيف يستدرجهم إلى ان يكونوا كلهم معه في هذه العملية وبالخصوص في آخر لحظة عند فتح مكة، إذ عرف كيف تكون الامكانات العسكرية والدبلوماسية والمالية بخطى ثابتة وبتدرج كما قلت.

كل ذلك يجب معرفته لأن تكوين دين عظيم، مسألة تاريخية لها أهمية عظمى ليس فقط للمسلمين وإنما لكل البشر، لأنها قراءة تاريخية تريد فهم الأمور من أجل فهم قسم كبير من مسار الإنسانية، وهذا أمر أساسي لفهم الحضارة الإسلامية. فالمسلمون لا يعرفون في الواقع تاريخهم ولا أتكلم فقط عن الفئات الشعبية حتى المثقفين لا يهتمون إلا بالحاضر. إذن في واقع المسار التاريخي الإنساني صار الإسلام دينا عالميا مع مر الزمان وتكونت امبراطورية شاسعة وحضارة لعبت دورا كبيرا في نمو الإنسانية. في ألف سنة لم توجد إلا امبراطوريتان وحضارتان عظيمتان في العالم، وهي الإسلامية وفي أقصى الشرق الصينية، كانت أوروبا متأخرة وبيزنطة ضعيفة جدا، والهند دخلها المسلمون وسيطروا عليها إلى حدود دخول الانكليز في الفترة الحديثة. المسيطر في الهند كانت الديانات الهندوسية وغيرها.

 

○ في ضوء ما يحدث اليوم من اضطرابات في واقعنا المعاصر، تونس و العالم العربي إلى أين ؟

• لا يمكن التكهن بالمستقبل. فكل تاريخ يشهد فترات مخاض عنيفة، لأن التاريخ الإنساني القديم مفعم بالعنف ولم يستقم إلا على غزو مجتمعات وتطويرها أيضا وهي مسألة تدخل في إطار فلسفة التاريخ.

ولدت في القرن العشرين ودخلنا في تطور آخر في العالم أجمع، ألاحظ ما الذي يجري، انه ليس العالم الذي ولدت فيه بل هو في تغير سريع جدا.

 

 

 

القدس العربي

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *