الحلبة سوريا.. معادلة جديدة لقواعد الاشتباك الإيرانية الإسرائيلية

الحلبة سوريا.. معادلة جديدة لقواعد الاشتباك الإيرانية الإسرائيلية

صباح السبت العاشر من فيفري كان مغايراً في عمر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي خسرت طائرة حربية في الأراضي السورية هي الأولى منذ نحو ثلاثين عاماً، في وقت تشهد فيه سوريا حرباً متشابكة بفعل التدخلات الدولية على اختلاف أجنداتها.

اللافت هذه المرة أن الرد على قيام تل أبيب بإسقاط طائرة استطلاع إيرانية انطلقت من دمشق سريعاً جداً، تمثل برد حمل بصمات طهران، لا سيما وأن رد نظام الأسد السابق على مئات الغارات الإسرائيلية كان رداً “لفظياً” فقط، خاصة وأن الردود الإسرائيلية تحمل طهران المسؤولية عن ذلك متجاهلة النظام السوري.

معادلة جديد

ومثلت حادثة إسقاط الطائرة الإسرائيلية فرض معادلة جديدة في قواعد الاشتباك بين إيران المتواجدة في سوريا وبين الاحتلال الإسرائيلي الذي يُعلن مراراً انزعاجه من هذا التواجد ويسعى بكل السبل إلى الحد منه وإنهائه.

موقف الحرس الثوري الإيراني كان قوياً بعد اتهامات تل أبيب له باللعب بالنار، وقال إنه إذا قررت إسرائيل استغلال ما جرى اليوم للدخول في معادلة جديدة للتعاطي مع الوجود الإيراني فإن الحرس الثوري قادر على فتح أبواب جهنم على إسرائيل إذا ما أراد ذلك.

وتأتي هذه الحادثة بعد نحو 10 أيام من الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو إلى موسكو، ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين، حيث وجه له رسالة مباشرة مفادها “وجوب طرد مليشيات إيران من حدود الجولان لمسافة لا تقل عن 60 كم”.

ومنذ إسقاط طائرة حربية إسرائيلية من طراز “إف-16” المتطورة، وفي الوقت الذي توجِّه فيه تل أبيب أصابع الاتهام إلى طهران ومِن بعدها دمشق، بدأت بردٍّ سريع من خلال قصف أهداف في محيط العاصمة السورية دمشق، استهدفت قواعد عسكرية قالت تل أبيب إنها “إيرانية”.

-تمسك بالمصالح

بيان الجيش الإسرائيلي قال صراحة أن ما حدث كان “عدواناً إيرانياً”، كما نقلت وسائل إعلام أن السفير الإسرائيلي في روسيا، أكد أن “ممارسات حزب الله والمقاتلين الشيعة جنوب سوريا يجب أن تتوقف”.

لكن في ظل هذه الأجواء المشحونة يخيم “التعامل بحذر” من الجانب الإيراني وحتى الحكومي الإسرائيلي لإحتواء الموقف وعدم الإنجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة، خاصة أن قوى المنطقة تعاني من الحروب بما فيه الكفاية.

وفي المقابل تتمسك هذه القوى بمصالحها في سوريا، لاسيما من قبل إيران التي لا تريد خسارة نفوذها هناك وتضرب يميناً وشمالاً للحفاظ عليه، وتعتبر أي شراكة لها في الصراع على سوريا تهديداً لها، خاصة في ظل التذمر “الروسي – التركي” الخفي من هذا النفوذ الذي يعطل أي مساعي للحل السياسي بات يظهر للعلن شيئاً فشيئاً.

وكانت إيران أبدت رفضها القاطع لـ “عملية غضن الزيتون” التي تنفذها تركيا في شمال سوريا، ووصل الأمر بينهما إلى التراشق الإعلامي، واصفة إياها بأنها تهدد استقرار المنطقة ولا جدوى منها، كما أنا لا تهدأ عن وصف الوجود الأمريكي في سوريا بـ “العدائي”.

يشير الدكتور باسل الحاج جاسم، الخبير في الشؤون الدولية، إلى أن هدف إسرائيل الرئيسي هو جعل ما تسمى منطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا، خالية من أي تواجد إيراني أو لأي مجموعات مسلحة أخرى تابعة لها.

وأوضح الحاج جاسم في حديثه لـ “الخليج أونلاين” أن الأهداف التي ضربتها إسرائيل للنظام السوري في معظمها أهداف للدفاعات الجوية، وهذا خدمة لأكثر من طرف متشابك داخل الساحة السورية.

-رسالة سرية

لكن التغيير الدراماتيكي الذي ربما يكون هو ما أثار غضب طهران وربما يكون هو الدافع وراء هذا الرد المباشر على إسرائيل، كان ما كشف عنه موقع “ديبكا” الإسرائيلي الإستخباراتي، عن رسالة وجهها زعيم النظام السوري بشار الأسد عقب لقاء بوتين – نتنياهو أواخر يناير الماضي، تضمنت تعهداً بعدم الحرب وعدم السماح لمن يريد الحرب للاقتراب من الحدود مع إسرائيل، في إشارة إلى “القوات الإيرانية”.

الرسالة وفق “ديبكا” وجهها الأسد إلى بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي وقامت جهة أوروبية بنقلها إلى القدس المحتلة، يشير محللون استخباراتيون إسرائيليون أن هذه المبادرة بطمأنة إسرائيلي جاءت منه بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، يمكن التكهن – وفق مراقبين – بأن إسقاط المقاتلة، جاء كرد تأديبي على الأسد من جهة وعلى إسرائيل من جهة أخرى وبأن الحصول على ضمانات يكون من خلالهم كونهم الأقدر على الإلتزام بها.

كما أنها أيضاً رسالة مشابهة للأطراف الروسية والتركية والأمريكية، التي سئمت من نفوذ إيران الذي يربك حساباتهم خاصة، بأنها لا يمكن تجاوزها هناك كونها هي من “هندست” للحل العسكري الذي مضى به النظام بهدف سحق الثورة السورية وما جر كل هذه التداعيات التي تمر بها سوريا اليوم.

لكن الحاج جاسم يقول إن التطور الذي وقع صباح السبت، ليس مستغرباً، موضحاً أنه “منذ إعلان روسيا الإنسحاب أواخر العام الماضي من سوريا، بات واضحاً أن الهدف هو فتح المجال لأطراف أخرى بمشاركة موسكو حمل المعضلة السورية، ريثما يتم التوصل لاتفاق عام بين كل الأطراف على تسوية ما.

ولفت إلى أن “إسرائيل لو أرادت التدخل في سوريا لتدخلت منذ زمن، وعلينا أن نبحث عن هدف من يريد استدراجها اليوم وفي هذا التوقيت تحديداً للتدخل المباشر”.

وكانت القناة الثانية الإسرائيلية ذكرت في نوفمبر الماضي أن نتنياهو بعث رسالة للأسد مفادها أنه “سيكون في خطر بحال سمح لتمركز عسكري إيراني على الأراضي السورية”.

وبحسب القناة الإسرائيلية، فإن نتنياهو قال في رسالته إن “السماح بتمركز عسكري إيراني في سورية سيدفع إسرائيل إلى تغيير سياسة (عدم التدخل) التي اتبعتها في سوريا منذ اندلاع

قاسم.. طفل سوري يرافق كريم في كشف إجرام الأسد

-طرف جديد

ومنذ يوليو الماضي تضغط إسرائيل على أمريكا وروسيا من أجل إقامة منطقة عازلة في جنوب سوريا، بهدف إبعاد الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني عن المنطقة الحدودية، بحسب صحيفة “التايمز” البريطانية.

وقد أولت إسرائيل موضوع “المنطقة العازلة” في محادثات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ونظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أهمية بالغة، وأكد ليبرمان أنها “إحدى كبريات المشكلات لإسرائيل في سوريا”.

وتمتد المنطقة التي تسعى إسرائيل إليها وفق ما كشفت عنه صحيفة “أوراسيا” في نوفمبر الماضي، على بعد أكثر من 30 ميلاً إلى الشرق من الجولان المحتل، متجاوزة مدينة درعا، كما ستشمل مدينة السويداء.

ويقول تقرير البريطاني أن حزب الله والحرس الثوري الإيراني نشرا عشرة آلاف مقاتل على الحدود مع الجولان، وأنشآ قواعد عسكرية هناك، ما دفع إسرائيل خلال السنوات الماضية إلى تنفيذ سلسلة غارات على هذه المواقع.

ويبدو أن التطمينات الروسية لإسرائيل لم تجدي نفعاً، لذلك يشير مراقبون إلى أنه تم تضخيم ردة الفعل الإسرائيلية بهدف إعادة تسليط على المنطقة العازلة وضرورة إقامتها.

ويقول باسل الحاج جاسم أن “تل أبيب تريد فرض حظر جوي على طيران و دفاعات النظام بشكل خاص، لتبقى السماء السورية فقط للأمريكيين والروس”.

وأشار إلى أن ما يحدث في الشمال السوري، ما هو إلا تفصيل بسيط جداً لحجم التداخلات الدولية والاقليمية، لكنه أكد على “ضرورة استمرار مراقبة جنوب سوريا، فطالما لم يتدخل أحد من الحدود الجنوبية بشكل يوازن التدخل من الشمال، فالأمور تبقى تحت السيطرة”.

ولم يستبعد الحاج جاسم أن يكون ما جرى صباح السبت (من إسقاط للطائرة الإسرائيلية) ليس بعيداً عن ما يحدث في شمال سوريا، خصوصاً دعم تمدد المليشيات الكردية الإنفصالية وبرضى الدول المتداخلة في سوريا بشكل مباشر أو غير مباشر”، موضحاً أنه “قد يكون الهدف من كل هذا جر إسرائيل ودفعها دفعاً للتدخل المباشر داخل الأرضي السورية”.

وإذا ما تدخلت إسرائيل بشكل مباشر في النزاع السوري، فإنه سيزيد من الوضع المعقد أصلاً تعقيداً، ويفتح صفحة جديد غير معروفة النتيجة.

الخليج اونلاين

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *