التنمية المستدامة 2030 .. بقلم عبد الحسين شعبان

التنمية المستدامة 2030  .. بقلم عبد الحسين شعبان

بعد عقود من العمل قامت الأمم المتحدة بإطلاق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، وذلك خلال قمة التنمية في نيويورك (25 سبتمبر/أيلول 2015). وتغطّي الخطة التي ساهم فيها المجتمع المدني العالمي، 17 هدفاً و169 مقصداً، وتمثّل إطاراً شاملاً لتوجيه العمل الإنمائي الدولي والوطني على مدى الـ 15 عاماً القادمة. وتستهدف تلافي أوجه القصور ومعالجة الثغرات التي اتّسمت بها خطة الألفية الثالثة.

وتقوم الخطة الجديدة 2030 على مرتكزات أساسية هي ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، ولاسيّما “إعلان الحق في التنمية” وقد رفعت شعار “لا أحد سوف يُترك في الخلف” . واستناداً إلى ذلك التأم في القاهرة مؤخراً مؤتمراً إقليمياً لتنفيذها في المنطقة العربية بعد عدد من الأنشطة بين المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالتعاون مع جامعة الدول العربية، وضمّ المؤتمر جهات حكومية وممثلين عن برلمانات ولجان وطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وخبراء في مجال التنمية وحقوق الإنسان.

وكان لي شرف المشاركة كخبير مستقل، حيث تناولتُ مسألة المعوّقات أمام التنمية المستدامة، ولاسيّما في ظل النزاعات، مع إشارة خاصة للحالة العراقية،علماً بأن المقصود بالتنمية كان يعني قبل صدور تقارير التنمية الإنمائية (العام 1990) ” النمو الاقتصادي”، ثم تطوّر الأمر ليصبح الحديث عن التنمية البشرية، ثم اتخذت بُعداً مستداماً أي شاملاً ومترابطاً، بالانتقال من رأس المال البشري إلى رأسمال الاجتماعي وصولاً إلى التنمية الإنسانية الشاملة.

وباختصار فالتنمية تعني “توسيع خيارات الناس”، وهذه تحتاج إلى مبادئ الحكم الصالح في الإدارة وتوسيع دائرة احترام حقوق الإنسان. وقد تعزّز هذا المفهوم بشكل خاص بصدور “إعلان الحق في التنمية” في العام 1986 الذي تم التأكيد عليه في قرارات مؤتمر فيينا الدولي لحقوق الإنسان، العام 1993.

ولا تزال تعاني العديد من البلدان العربية من معوّقات جدّية تحول دون تحقيق التنمية المستدامة، مثل الحروب والنزاعات المسلحة والأهلية والإرهاب والعنف، إضافة إلى الفساد والطائفية والتمييز بحق “المجاميع الثقافية” التي تسمى مجازاً بـ”الأقليات” وعدم تمكين المرأة ومساواتها مع الرجل، الأمر الذي أدى إلى ضعف أو حتى غياب الاستقرار والسلام المجتمعي والأهلي، وهذا قاد إلى انهيار تجارب تنموية كانت واعدة، والعراق نموذجاً، إضافة إلى مصر وسورية والجزائر وليبيا واليمن وغيرها.

وفي العراق أدّت الحروب والنزاعات الأهلية وفيما بعد الاحتلال إلى اندلاع موجة عنف وإرهاب لم يعرفها تاريخه الحديث وصلت إلى أشكال من الإبادة الجماعية، كما حصل لمجموعات ثقافية دينية مثل المسيحيين والإيزيديين، وقبل ذلك الصابئة المندائيين، إضافة إلى إثنيات كردية وتركمانية وكلدانية وآشورية تعرّضت إلى اضطهاد مزمن. وقد عطّل ذلك عملية التراكم التدريجي في التنمية، الذي اتسمت مرحلتها الأولى (منذ تأسيس الدولة في العام 1921) بالنمو الاقتصادي البطيء، لكنه منذ تأسيس مجلس الإعمار في العام 1950، فإن العراق خطا خطوات سريعة، لاسيّما ما يتعلّق بالبنية التحتية وحقّق إنجازات مهمة على صعيد النمو الاقتصادي.

أما المرحلة الثانية فقد بدأت بعد ثورة 14 يوليو (تموز) العام 1958، التي بدأت بالانفكاك من التبعية الخارجية وعرفت تطوّراً مهماً على صعيد توسيع دائرة التعليم والخدمات الصحية والبنية التحتية، وتعمّقت في المرحلة الثالثة التي شهدت الطفرة النفطية بعد تأميم النفط في 1 حزيران (يونيو) 1972، سواء للبنى التحتية وفي مستوى التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والاقتصادية والرفاه بشكل عام.

لكن التنمية تراجعت في المرحلة الرابعة مع اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية العام 1980، والانصراف إلى الصناعات الحربية، وطاولت تلك المرحلة عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ووصلت البلاد إلى حافة الانهيار مع مغامرة غزو القوات العراقية للكويت عام 1990 وما أعقبها من حرب قوات التحالف في العام 1991، ومن ثم فرض حصار دولي على العراق، وفيما بعد شنّ الحرب عليه ووقوعه تحت الاحتلال العام 2003.

وتتّسم المرحلة الخامسة الحالية (2003-2017 وهي لا تزال مفتوحة) بالإرهاب والفساد والطائفية، حيث اندلع العنف على مصراعيه ، وذلك بانتهاج نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية. وبسبب ضعف المواطنة أو الشعور بها ومحاولات الاحتماء بصيغ ما قبل الدولة، فقد تراجعت مكانتها وأجهز على بعض مؤسساتها، خصوصاً بعد حل الجيش، فضلاً عن الميل للانتقام والثأر والكيدية، الأمر الذي كان قد وفّر فرصة خصبة للإرهاب وأعمال العنف وساهم في تعطيل عملية التنمية.

وإذا كانت التنمية تعالج مسألة الحكم والعلاقة بين الناس والإدارة، لبناء الشرعية من خلال المشاركة وتمثيل أوسع الفئات، فإنه يمكن القول لا تنمية مع الحروب والنزاعات المسلّحة، ولا تنمية بغياب الحقوق والحريّات بحدّها الأدنى، ذلك أن التنمية تحتاج إلى وجود دولة تمارس صلاحياتها على كامل أراضيها وتحتكر حق استخدام السلاح لوحدها وإلى استقرار وسلام مجتمعي، وفي ظروف العراق الحالية، يتطلّب الأمر تصفية بؤر الإرهاب لاسيما الداعشيّة وإجراء مصالحة سياسية شاملة وحزمة تدابير بكل ما له علاقة بعوامل الكراهية والإقصاء والتهميش والطائفية والمحاصصة.

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *