ما وراء وثيقة قرطاج … تركيع الشعب وانهيار الدولة .. بقلم جنات بن عبد الله

ما وراء وثيقة قرطاج … تركيع الشعب وانهيار الدولة .. بقلم جنات بن عبد الله

جاء اللقاء الذي جمع يوم السبت 11 مارس 2017 رئيس حكومة الوحدة الوطنية وعدد من ممثلي الأحزاب التي أمضت على وثيقة قرطاج، لذر الرماد على الأعين والتمهيد ليوسف الشاهد لإلقاء كلمته أمام مجلس نواب الشعب يوم الخميس 16 مارس 2017 في جلسة منح الثقة لعضوين جديدين بالحكومة، تعرض فيها لانجازات حكومته أو حكومة الإصلاح كما وصفها.

ونوه في هذه الكلمة بعودة مؤشرات النمو إلى نسقها المرتفع بفضل احترام حكومته لما جاء في وثيقة قرطاج التي وصفها بالمرجعية.

ما نستغربه في هذه الكلمة إصرار رئيس الحكومة على مواصلة مغالطة الشعب التونسي بوصفه لوثيقة قرطاج بمرجعية عمل الحكومة في حين أن هذه الوثيقة جاءت استنادا إلى برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي صممها صندوق النقد الدولي مقابل تمويله لميزانية الدولة لسنة 2017 والذي تعهدت به حكومة الصيد والبنك المركزي التونسي من خلال وزير المالية آنذاك ومحافظ البنك المركزي التونسي.

كما نستغرب إصراره على اعتبارها وثيقة مرجعية في حين أن مرجعية عمل الحكومة هو الميزان الاقتصادي المستند إلى المخطط الخماسي للتنمية الذي يرسم خيارات الدولة وبرامجها التنموية الاقتصادية والاجتماعية والمالية والمنبثقة من حاجيات وأولويات الاقتصاد الوطني.

ما يمكن استنتاجه في هذا المستوى أن لقاء السبت لم يكن موجها للرأي العام التونسي بقدر ما هو رسالة مشفرة مضمونة الوصول لصندوق النقد الدولي مفادها أن الشاهد لا يزال رجل المرحلة وأن التوافق حول وثيقة قرطاج لا يزال قائما باعتبارها الضامن الوحيد للمسار الإصلاحي الذي انخرطت فيه حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الإصلاح كما جاء على لسان الشاهد ليكشف للرأي العام التونسي وبصفة

ضمنية أن حكومته هي حكومة إنقاذ منظومة بن علي ومصالح الأطراف الداخلية والخارجية التي لا تزال تمتص دم هذا الشعب.

إن الحديث عن الإصلاح يحيلنا إلى التساؤل عن المستهدف من الإصلاح، وفي غياب وثيقة المخطط الخماسي للتنمية، وفي غياب منوال تنمية جديد فان المستهدف الوحيد من الإصلاح هو منوال التنمية الذي أدى إلى قيام ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 . بمعنى أخر المقصود من الإصلاح هو إنقاذ خيارات وتوجهات النظام السابق في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والثقافية، وبذلك اعترف الشاهد في كلمته أن حكومته هي حكومة إنقاذ منظومة بن علي، كما اعترف بعدم الاعتراف باستحقاقات الثورة التي لا يمكن أن نجد لها أثرا في منوال التنمية الحالي الذي تم استبدال تسميته بوثيقة قرطاج.

لقد كشف الشاهد مرة أخرى أن الجهة التي توجه لها بهذه الكلمة ليست الرأي العام التونسي وإنما صندوق النقد الدولي عندما تعمد تجاهل عدم ذكر المستجدات الأخيرة التي شهدها ولا يزال المشهد الاقتصادي الوطني ممثلة في موقف الجامعة الوطنية للنسيج والجامعة الوطنية للجلود والأحذية حيث أعلنت الأولى عن استقالتها من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية فيما لا تزال الثانية في انتظار موقف المنظمة من الأزمة التي يمر بها القطاع.

لقد كنا ننتظر من حكومة الوحدة الوطنية موقفا عاجلا لطمأنة أهل القطاع وطرح ملفهم في مجلس وزاري طارئ لم يتم التنصيص عليه في وثيقة صندوق النقد الدولي المتعلقة ببرنامج الإصلاحات والتي ضبطت محاور ومواعيد المجالس الوزارية المبرمجة لحكومة الإصلاح.

إعلان انسحاب جامعة النسيج من اتحاد الصناعة والتجارة جاء متأخرا باعتبار أن تفاقم أزمة القطاع بدأ قبل سنة 2011 ليتعمق أكثر في سنة 2012 بفتح التوريد ومنح الرخص لأطراف استقوت بعد الثورة على حساب المصلحة العامة للبلاد ووجدت لدى الاتحاد الأوروبي الدعم والسند باعتبار أن مصالحه تكمن في رفع كل أشكال حماية القطاعات من صناعة وفلاحة وخدمات وذلك رغم الدراسات التي اهتمت بقطاع النسيج وخاصة تلك التي تم انجازها في سنة 2004 ونبهت للمخاطر التي سيواجهها القطاع.

من جهة أخرى فان تحرير المبادلات التجارية بما في ذلك منتوجات قطاع النسيج والجلود والأحذية يضمن لمنتوجات الاتحاد الأوروبي النفاذ للسوق التونسية دون قيود ولا مراقبة بفضل اتفاقية الشراكة لسنة 1995 بين تونس والاتحاد الأوروبي وبفضل برنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني الذي

صممه صندوق النقد الدولي لتونس في سنة 1986 الذي يقوم على تحرير الاقتصاد واعتماد اقتصاد السوق وتخلي الدولة عن القطاعات ذات البعد الاجتماعي والقطاعات التنافسية.

هذا التوجه حذرت منه عديد الجهات بما في ذلك بعض المسؤولين في صندوق النقد الدولي باعتبار تداعياته الخطيرة على القطاعات الناشئة غير القادرة على مواجهة الشركات العالمية وهو ما ترجم في تونس إلى تدمير النسيج الصناعي الذي نجد في مقدمته قطاعا النسيج والجلود والأحذية اللذان لم يجدا في الدولة وفي كل حكومات ما بعد الثورة اهتماما يؤمن لهما الحماية باعتماد ما جاء في أحكام اتفاقية الشراكة والمنظمة العالمية للتجارة التي تسمح للدول التي تتضرر قطاعاتها من التحرير باعتماد إجراءات حمائية ظرفية في انتظار استرجاع هذه القطاعات لقدراتها التنافسية.

هذا التجاهل الممنهج، وهذا التوجه المدمر، تعمل حكومة الإصلاح على ترسيخه وتكريسه باعتباره ينخرط في توجهات صندوق النقد الدولي الذي يرى في تحرير التجارة الخارجية مصدرا للنمو الاقتصادي- توجه يتناقض مع أولوياتنا العاجلة- من جهة، ويخدم مصالح الشركات الأوروبية التي وجدت في حكام تونس الجدد خير حارس لمصالحها من جهة أخرى.

ورغم التطمينات التي يعمل الشاهد على إرسالها في كل مرة لشركاء تونس الأوروبيين بأشكال مختلفة على غرار الضمانات التي أقرها لفائدة المستثمرين الأجانب في قانون الاستثمار الجديد الذي صادق عليه مجلس نواب بأغلبية مريحة… فان الطرف الأوروبي المستميت في حماية مصالحه في السوق التونسية لا يدخر أي تحرك من أجل تنبيه وتحذير الأطراف الفاعلة في البلاد وتذكيرها بالخطوط الحمراء التي يجب عدم تجاوزها.

في هذا السياق يندرج اللقاء الذي جمع وداد بوشماوي رئيسة الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية يوم الخميس 16 مارس 2017 ورئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس باتريس برغميني بوفد من السفراء الأوروبيين وممثلي مجالس أعمال تونسية أوروبية بمقر الاتحاد.

وحسب بلاغ صادر عن منظمة الأعراف فقد حاء هذا اللقاء للتأكيد على ضرورة دعم التعاون بين تونس وشركائها الأوروبيين في ظل المستجدات الأخيرة… مستجدات تجنب الشاهد التعرض لها أمام مجلس نواب الشعب وتولت بوشماوي التعرف عليها من قبل شركاء تونس الأوروبيين.

تزامن هذا اللقاء بما يمر به قطاعا النسيج والجلود والأحذية يكشف عن الرسالة التي يريد الشركاء الأوروبيون إبلاغها للحراس الجدد لمصالح الشركات الأوروبية في تونس، وهي التذكير بالخطوط الحمراء التي يجب على الحراس الجدد، من حكومة إصلاح ومنظمة أعراف، العمل على عدم اقتراب

أهل المهنة منها حتى لا تشكل بادرة ستنسج على منوالها بقية القطاعات وهي المطالبة بوضع إجراءات الحماية لوقف نزيف توريد كل ما يشكل تهديدا لصناعاتنا.

ما يجب الإشارة إليه في هذا المستوى، أن الشركاء الأوروبيين قد مهدوا لهذا اللقاء من خلال تضليل الرأي العام التونسي والتركيز هذه الأيام في وسائل الإعلام الوطنية على المبادلات التجارية مع تركيا وتحميل هذا البلد مسؤولية أزمة قطاع النسيج وأزمة الميزان التجاري وتحويل الاهتمام عن مبادلاتنا التجارية مع أوروبا وخاصة فرنسا حيث تبين الإحصائيات الرسمية أن صادراتنا نحو هذا البلد تتجاوز وارداتنا منه وكأننا نصدر السيارات والمواد الفلاحة .. إحصائيات تكشف حجم المغالطات التي تعمل الجهات الرسمية التونسية والأجنبية على تزييفها لإقناع الرأي العام بجدوى اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 ، التي جلبت لنا البطالة والفقر والجهل والركود وانهيار كل مقومات قوة الاقتصاد الوطني التي يدعي الشاهد أنها استرجعت عافيتها، في تناقض صارخ مع ما يعيشه المواطن،

لتمرير مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق الذي يشكل مرجعية المخطط الخماسي للتنمية الذي لا يزال في مكاتب مجلس نواب الشعب في انتظار لحظة غيبوبة تعمل مؤسسة رئاسة الجمهورية على استكمال شروطها بفضل قانون الزطلة.

حرر يوم السبت 18 مارس 2017

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *