تونسيّون في الصف الأول للجماعات المتطرفة: لماذا ؟ .. بقلم كمال بن يونس

تونسيّون في الصف الأول للجماعات المتطرفة: لماذا ؟ .. بقلم كمال بن يونس

· علماء دين يتهمون ” علمانية بورقيبة وبن علي” وخصومهم يتهمون ” التهميش”

· فنانون ورياضيون وأغنياء انضموا إلى ” داعش”

· تنازلات قيادات “الإسلاميين المتخاذلين ” ضاعفت شعبية” الأصوليين” و” الجهاديين”

بقلم كمال بن يونس

تتابع وسائل الإعلام التونسية نشر مزيد من أسماء نجوم الرياضة والفن والمشاهير والأثرياء من الجنسين الذين غادروا تونس خلسة وانضموا إلى ” داعش ” وغيرها من التنظيمات الأصولية المتشددة في ليبيا وسوريا والعراق ..الى جانب مئات من العاطلين عن العمل وأبناء الاحياء الفقيرة في العاصمة والمدن الداخلية ..

وفي وقت تتضارب فيه الدراسات الأمنية والسياسية في تقديراتها لنسبة التونسيين بين مقاتلي ” القاعدة ” و” الدولة الإسلامية في الشام والعراق” ،تؤكد مصادر تونسية وأممية مختلفة أن حاملي الجواز التونسي أصبحوا في الصفوف الاولى للراديكاليين والمتشددين العرب ، والمجموعات المورطة في أبشع أنواع الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب في دول الساحل والصحراء الإفريقية وأوربا والمشرق العربي .

فكيف تطورت سلوكيات قطاع عريض من شباب تونس المعروف باعتداله وانفتاحه نحو التشدد والتطرف والجريمة المنظمة والإرهاب؟

وهل تكفي الحلول الأمنية والعسكرية لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة أم تحتاج اجابات فكرية ودينية وثقافية واجتماعية اقتصادية؟

أم ستحتاج البلاد إلى إستراتيجية شاملة جديدة في معالجتها للأسباب العميقة للإرهاب وبينها الإخفاق التربوي والفراغ الديني وغياب سياسات تنموية ناجحة تفتح الآفاق للشباب والأجيال الصاعدة ؟

يفسر رئيس وزراء تونس الأسبق الهادي البكوش وكثير من علماء الاجتماع والدراسات السياسية والفكرية في تونس بروز” ظاهرة الإسلام السياسي المعاصر” و” حركة الاتجاه الإسلامي ” التونسية قبل 40 عاما ب” السياسات العلمانية التي اعتمدتها الدولة في عهدي رئيس تونس اللذين حكما البلاد منذ استقلالها عن فرنسا حتى اندلاع الثورات العربية في2011 الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

ويسجل الباحث في العلوم السياسية والاسلامية عمر التريكي أن بورقيبة ومستشاريه أصدروا منذ صائفة 1956 أول قانون للأحوال الشخصية في العالم العربي يمنع تعدد الزوجات ويسمح للمرأة بطلب الطلاق ، وهو ما اعتبره جانب من الرأي العام التونسي تمردا على التشريع الاسلامي واستفزازا لمعتقدات الشعب .

غلق أعرق جامعة إسلامية

واعتبر المؤرخ عبد الجليل التميمي أن من بين ما استفز المتديينين مبكرا في تونس أن بورقيبة أغلق بعد عامين فقط عن الاستقلال عن فرنسا جامع الزيتونة ، وهو أعرق جامعة في العالم الإسلامي منذ القرن الاول الهجري. وقد أقدم بورقية ورفاقه على هذه الخطوة بالرغم من الدور الذي لعبه طلاب هذه الجامعة وأساتذتها في قيادة حركة التحرر الوطني ضد فرنسا منذ مطلع القرن العشرين .

وفي 1961 دعا بورقيبة شعبه مرارا عبر الإذاعات للإفطار في شهر رمضان . كما أزاح غطاء رأس ثلة من النساء التونسيات باللباس التقليدي الوطني في مواكب رسمية بثها التلفزيون الرسمي تحت مبرر ” مواكبة قوانين الحداثة والتقدم ومتطلبات التنمية”.

وكانت تلك الإجراءات سببا حسب مفتي تونس السابق حمدة السعيد وعدد من الفقهاء ” في إحداث فراغ في مجال المرجعيات العلمية والفقهية والثقافية الإسلامية وتشجيع التشدد والتطرف”.

وبما أن ” الطبيعة لا تحب الفراغ”، مثلما يقول وزير الشؤون الدينية السابق نور الدين الخادمي ، فقد سيطر على كثير من الجوامع والفضاءات الثقافية الاسلامية خطباء ” من بين الدعاة البسطاء والاميين والوعاظ الذين ليس لديهم مؤهلات علمية ولا يستوعبون الفكر الاسلامي المستنير والتفسير العقلاني الذي عرف به أعلام جامعة الزيتونة ومصلحوها ورواد التجديد في الفكر الاسلامي المعاصر مثل المشايخ سالم بوحاجب ومحمد الخضر حسين وعبد العزيز الثعالبي والطاهر بن عاشور والطاهر حداد والفاضل بن عاشور ومحمد المختار السلامي …

علمانية أم إرهاب ؟

ولا يتردد بعض زعماء الجيل الأول من التيار الإسلامي الشبابي التونسي ، مثل وزير التعليم العالي بعد ثورة 2011 منصف بن سالم ، في تحميل حكومات بورقيبة وبن علي مسؤولية بروز ظواهر التطرف والتشدد والأصولية والإرهاب في تونس .

بل إن زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي وصف المتطرفين السلفيين والارهابيين ب” أبناء بن علي ” واعتبر أنهم من بين ” ضحايا الفراغ الديني والعلمي وحملات القمع التي تعرض لها رموز الفكر الاسلامي التونسي المعتدل طوال العقود الماضية .

ويرجع رضوان المصمودي رئيس مركز دراسة الاسلام والديمقراطية انتشار الراديكالية باسم الدين الى ما يصفه بالسياسات العلمانية المتأثرة بالمنهج الفرنسي الجاكوبي المتطرف ، والذي يختلف عن علمانية البلدان الانجلو سكسونية حيث لا تمارس الدولة ارهابا على الافراد والمجتمع من أجل الزامها بالعداء للدين تحت يافطة التمرد على الكنيسة ورجالاتها .

ويطنب بعض رموز التيارات الإسلامية التونسية السلفية منذ سقوط حكم بن علي في 2011 في التشهير بما يصفونه ” دكتاتورية النظام العلماني التونسي في عهد بورقيبة وبن علي ، رغم إعلان النظام التونسي منذ عام 1987 المصالحة مع الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي وزيارات بن علي مرارا للجوامع التونسية للحرمين الشريفين لأداء مناسك العمرة .
كا يتهكمون على صفة ” حامي حمى الدين ” التي كانت تطلق على بن علي الذي يتهمونه بدوره بالترويج لقيم أوربا الغربية المتعارضة في كثير من مسلماتها مع مرجعيات الثقافة العربية الإسلامية .

خلط بين التدين والإرهاب

ويسجل نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سابقا محمد القوماني أن من بين أسباب انتشار التطرف والغلو بين الشباب التونسي في العقدين الماضيين القمع الشديد الذي تعرض له عشرات الآلاف من نشطاء حركة الاتجاه الإسلامي المعتدلة التي غيرت اسمها الى حركة النهضة في 1988 بعد تعهد كاذب من السلطات بمنحها تأشيرة حزب قانوني .
ويعتبر المفكر والكاتب ايمن بن سالم أن من بين غلطات النظام التونسي خلال ال55 عاما من عهدي بورقيبة وبن علي الخلط بين الحق في التدين وممارسة الشعار في الجوامع والانتماء الى احزاب سياسية معارضة ذات ميولات دينية .
كما فسر الكاتب علي اللافي بروز التشدد الديني ببعض القوانين والمناشير الزجرية خلال العقود الماضية وبينها

قانون منع الحجاب المعروف بمنشوري 108 لعام 1981 و 29 لعام 1987 اللذين حضرا ارتداء “الزي الطائفي” ( أي تغطية شعر الرأس بالنسبة للفتيات والنساء ) و منشور غلق المساجد فور انتهاء الصلاة..

وتداخلت الأبعاد العقائدية والسياسية في الصراعات بين قطاع من شباب تونس وسلطاتها في عهدي بوقيبة وبن علي عندما كشفت المنظمات الحقوقية ووسائل الاعلام الدولية جوانب من الاضطهاد والتعذيب الذي تعرض له متدينون من الشباب .

وتعمقت القطيعة بعد أن شملت الايقافات والمضايقات المراهقين وكهولا من الجنسين عند خروجهم من الجوامع بتهمة ” التعاطف” مع حركة النهضة الاسلامية أو مع الجماعات الاسلامية الصوفية مثل جماعة الدعوة والتبليغ التي تمنع على عناصرها الخوض في السياسة .

يعتبر المفكر والمؤرخ محمد ضيف الله أن هذا المناخ أفرز نواتات ” المجموعات السلفية التكفيرية ” و” التنظيمات الدينية المسلحة “المتأثرة بأدبيات زعماء الجماعات الاصولية المتشددة في الجزائر ومصر وأفغانستان والعراق . وتزايد وزن اولائك الزعماء بسبب تمادي السلطات في مضايقة نشطاء المجتمع المدني والمعارضة العلمانية المعتدلة وقيادات حركة النهضة الاسلامية بمن فيهم من غادروا السجون و عادوا من المنافي واعتزلوا الحياة السياسية .

وتعمقت عقدة الاضطهاد لدى نسبة من الشباب المتدين والسلفي بسبب استفحال التهميش للمرجعيات والنخب الوطنية وللجامعيين والمثقفين الاسلاميين المستنيرين مثل مجموعة “اليسار الاسلامي ” أو ” الاسلاميين التقدميين” و” الاسلاميين المستقلين “التي تزعمها مثقفون معتدلون وكتاب حقوقيون بارزون مثل احميدة النيفر وصلاح الجورشي وعبد العزيز التميمي.

وكانت الحصيلة أن عوض أميون متدينون الفقهاء والمفكرين والعلماء في وقت تابعت فيه وزرات الداخلية والشؤون الدينية سياسة عزل الائمة الذين عرفوا بقدر من الجرأة في تناول القضايا الاجتماعية والاخلاقية والسياسية وإن كانوا مقربين من الحزب الحاكم.

الإسلام الاحتجاجي

وبالرغم من وقوف المنظمات الحقوقية وبعض الأحزاب الليبيرالية واليسارية المعتدلة ضد قمع الإسلاميين ومحاكماتهم ، فقد تعمق العداء بين تيار من الشباب المتدين والأطراف الماركسية والليبيرالية لأن السلطات تحالفت مع شخصيات من رموز المعارضة العلمانية ضمن إستراتيجية فرق تسد.

لذلك أدى سقوط حكم بن علي إلى انفجار صراعات إعلامية سياسية وعقائدية عنيفة بين قطاعات من اليساريين والليبيراليين والإسلاميين العائدين من المنافي والسجون . وزاد الأزمة عمقا اتهام العلمانيين للاسلاميين بتحمل المسؤولية السياسية لاغتيال سياسيين كبيرين معارضين هما شكري بلعيد ومحمد الابراهمي.

وبرزت منذ الأسابيع الأولى بعد الثورة دعوات للثأر من النخب العلمانية التي اتهموها بالتحالف مع النظام السابق ضدهم في سنوات الجمر. وحملوهم مسؤولية المشاركة في شيطنة المعارضة ذات الميولات الإسلامية طوال عقود من حكم بورقيبة وبن علي .

وتسببت تلك الصراعات في تعميق الفجوة بين فئات واسعة من الشبان التونسيين المتأثرين بالمدارس اليسارية واليبيرالية الغربية من جهة وخصومهم المتأثرين بمن وصفهم عالم الاجتماع التونسي والوزير السابق للثقافة زعماء” الإسلام الاحتجاجي”.

نصفهم من خريجي الجامعات

لكن انفاق الدولة التونسية لحوالي ثلث موازنتها للتربية والشؤون الاجتماعية جعل من تونس واحدة من الدول العربية القليلة التي فرضت إجبارية التعليم وحق الالتحاق بالجامعات بالنسبة لكل الفائزين بالباكالوريا .

وقد قدر الصادق شعبان وزير التعليم العالي السابق عدد طلبة الجامعات التونسية من الجنسين في آخر عهد بن علي بحوالي نصف مليون في بلد يحوم عدد سكانه حول العشرة ملايين فقط .

لذلك كشفت دراسات جديدة عن فسيفساء المتشددين و الإرهابيين التونسيين أن حوالي نصفهم لديهم مستوى جامعي.

وأكدت هذه الحقيقة دراسة ميدانية اجتماعية سياسية أعدها مركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب، التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن “ظاهرة الارهاب في تونس”.
وأقد أوضحت عضو هذه الهيئة العلمية لهذه الدراسة إيمان قزارة، أن المركز قام بتجميع 384 ملف قضائي خلال الفترة المتراوحة بين سنتي 2011 و2015 والتي وقع فيها تتبّع أكثر من 2224 متهما بالارهاب و تم اختيار عينة تتكون من 1000 متهم.

وأضافت الباحثة ايمان قزارة أن الدراسة بينت أن ثلاثة أرباع المتهمين من بين أصحاب الـ2224 ملفا شباب دون الثلاثين، وأن 40 بالمائة من العينة التي تم اعتمادها في الدراسة لهم مستوى جامعي بينما درس أكثر من 95 بالمائة منهم في المعاهد الثانوية .

وكان الاستنتاج الكبير من قبل هؤلاء الباحثين الاجتماعيين والنفسانيين وغيرهم توجيه اتهامات للمنظومة التربوية التي أصبحت تعطي أولوية للكم على حساب الكيف.

في نفس السياق أبرز عالم النفس الاجتماعي ومساعد وزير الشباب التونسي السابق بعد ثورة 2011 فتحي التوزري العلاقة بين انتشار الأفكار الراديكالية في صفوف خريجي المعاهد والجامعات وحالة الإحباط التي يعيشها الشباب التونسي جراء انسداد الآفاق المهنية وأزمة سوق الشغل .

جذور التنظيمات المسلحة

لكن بعض الجامعيين مثل علية العلاني وبدرة قعلول وفيصل الشريف يشاطرون قيادات النقابات الأمنية التونسية التي تفسر تزايد عدد الأصوليين التكفيريين التونسيين ببروز المجموعات المسلحة في تونس والجزائر قبل الثورات العربية في 2011 .
وكان من بين تلك التنظيمات المسلحة ما عرف في تونس ب” مجموعة سليمان” التي رفعت السلاح ضد الدولة في موفى 2005 ومطلع 2006 .
وكان من بين زعماء تلك المجموعة سيف الله بن عمر بن حسين المعروف بتسمية ” أبو عياض” الذي يعتبر منذ أعوام من بين أخطر قيادات الارهابيين في تونس وليبيا .
وكان من بين تلك المجموعات المسلحة خلية ” القاعدة ” في مدينة جرجيس على الحدود التونسية الليبية في 2005 التي تبين أنها وظفت الشبكة العنكبوتية الانترنيت مبكرا للتواصل مع تنظيم القاعدة في افغانستان ومسلحين من تنظيمات قريبة من ” القاعدة في المغرب الاسلامي ” وغيرها من الجماعات المسلحة المنتشرة في جبال الجزائر وصحاريها منذ مربع قرن .
وقد تعاقبت في تونس أواخر عهد بن علي عمليات الكشف عن جماعات مسلحة متشددة دينيا ذات امتداد مغاربي بينها تنظيمات ” أسد بن الفرات ” و” عقبة بن نافع ” و” الجماعة الإسلامية المقاتلة ” ثم ” الجماعة السلفية للجهاد والقتال ” ..
وكانت تلك المجموعات من بين نواتات بروز تنظيم ” أنصار الشريعة “في تونس وليبيا وغيره من الحركات الاصولية ” الجهادية ” بعد سقوط بن علي والقذافي في 2011.
ومن بين المفارقات أن بعض زعماء تلك المجموعات المتشددة والمسلحة وقع الإفراج عنها في عهد بن علي أو مباشرة بعد اندلاع الثورات العربية ضمن اجراءات ” العفو العام ” التي صدرت لفائدة الغالبية الساحقة من المساجين والموقوفين .

التهميش ..وانسداد الآفاق

لكن محمد التومي الخبير في دراسة أدبيات الجماعات المتطرفة والتنظيمات التكفيرية المسلحة يرفض أن يفسر التحاق الاف الشباب التونسيين والمغاربيين ببؤر التوتر في ليبيا وسوريا بالإرث عن مرحلة ما قبل الثورات العربية فقط.
وأورد التومي أن الدراسات السوسيولوجية والفكرية التي أجراها مع فريق من باحثي الجامعة التونسية أكدت على العلاقة بين تعاظم تأثير التأويلات المتشددة للقرآن والسنة والمفاهيم الغالطة عن الجهاد واحساس الشباب بالتهميش والإخفاق والإحباط .
في نفس السياق اعتبر سامي براهم الباحث في المركز التونسي للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية ـ سيريس ـ أن من بين أبرز دوافع التحاق الشباب التونسي بالمجموعات المتشددة استفحال معاناته بسبب التهميش الاجتماعي والثقافي وفشل سياسات الدولة في مجالات التحصين الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي و الأخلاقي والمهني والمادي .

لماذا يغادرون تونس ؟

لكن إذا سلمنا جدلا بالاسباب الكثيرة لنزوع قطاع من الشباب نحو التشدد لماذا اختارت نسبة منهم الهجرة من تونس الى بلدان أوربية وعربية واسلامية كثيرة أصبح بعضهم يتزعم الجماعات المسلحة فيها ؟
المفكر والباحث التونسي سامي ابراهم اعتبر أن السبب هو عجز المجموعات المتشددة عن أن توطن لمشروعها وأفكارها داخل تونس حيث توسع هامش الحريات بعد ثورة يناير2011.
ويعتبرابراهم أن المجتمع التونسي المنفتح والمتسامح ليس لديه قابلية ليكون حاضنا للافكار المتشددة ولهذه الجماعات التكفيرية فاضطرت الى مغادرة تونس التي يعتبرها بعضهم ” بلاد كفر” يجب الهجرة منها الى ” بلاد الإسلام ” أي مناطق نفوذ داعش .
في سياق متصل تتوقف أستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية فتحية السعيدي عند سلوكيات فئة الشباب في هذه المرحلة العمرية . وتعبر أن من بين تلك السلوكيات المعاناة من اضطرابات نفسية واجتماعية كثيرة منها أزمة الهوية وتحقيق الذات.
وتربط السعيدي بين هجرة الشباب التونسي الى أوربا وليبيا وسوريا وغيرها من بؤر التوتر بنية ما يعتبرونه جهادا لأن التعليم لم يعد يضمن الوظيفة وفتح الأفاق. وعندما تستفحل ظاهرة انسداد أحلام الشباب الذي يعاني أصلا من هشاشة نفسية وعاطفية وتربوية يفكر في الهروب من واقعه مهما كان الثمن وإن كان البديل مجهولا وأكثر قتامة.

الانترنيت والاستقطاب عن بعد

وبعد أن تعاقبت حالات هجرة آلاف الشباب رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها السلطات التونسية في الحدود البرية والمطارات والموانئ ، تأكد أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد مسارات تسفير محدودة للشباب من قبل مجموعات محلية بل بشبكات استقطاب اقليمية ودولية نجحت في توظيف شبكات التواصل الاجتماعي في اصطياد ضحاياها وتسهيل رحلاتهم .
وكشفت التحقيقات الاجتماعية التي شملت بعض المدن المهمشة في الجهات الغربية والجنوبية للعاصمة والمدن الداخلية أن انسداد الآفاق الاجتماعية والسياسية والثقافية عمقت هشاشة المجتمع التونسي واضعفت سلطة الأبوين والاسرة . وأصبج مزيد من المراهقين والشباب يحلم بالهجرة القانونية والسرية الى اوربا أوسوريا وليبيا عرضة لخطر الاستقطاب من تنظيمات منحرفة أو إرهابية حسب الجامعي رضا الشكندالي.
ومن بين ما عقد الأوضاع في نظر الباحث الجامعي زهير بن يوسف هيمنة القيم الغربية والسلوكيات التحررية التي لا تحكمها أي ضوابط في بعض الأوساط البرجوازية في وقت تشكو فيه الفئات الفقيرة والمؤسسات التربوية ووسائل الاعلام من تراجع تأثير برامج التوعية الدينية والانشطة التربوية والثقافية والرياضية التي تعيد الاعتبار الى مرجعيات العائلة الناجحة والمجتمع المتضامن.
غياب مشروع وطني
ويعتبر الباحث في علم الاجتماع محمد الحاج سالم إن استقطاب مافيات تدعم الجريمة المنظمة والإرهاب لشباب تونسي “يتم بسهولة بسبب انسداد الأفق أمامهم عن واقع بلدهم الذي انخرط في الحداثة بنسق سريع منذ عشرات السنين”.
وحذر محمد الحاج سالم من مضاعفات غياب مشروع وطني يساهم في مل ء الفراغ الفكري والروحي والثقافي ويساهم في تحسين ظروف الشباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية مما يبرر اندفاع جزء منهم نحو “الانتقام من الآخر البعيد وهو الغرب والآخر القريب بالداخل وهو الدولة وحلفائها السياسيين”.http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif
و في السياق نفسه اعتبر الباحث في التاريخ المعاصر والحقوقي عبد اللطيف الحناشي أن رفض الشباب لواقعه وتطلعه إلى إحداث تغيير جذري يحقق ذاته سهّل من عملية تجنيد كثيرين تحت يافطات ثورية حينا وأخرى دينية حينا آخر. وسجل الحناشي أن الشباب كان سهل الاستقطاب على مر التاريخ، خاصة في مراحل الأزمات والحروب.
ودعم الباحث في علم الاجتماع خالد حداد نفس الاستنتاج مسجلا أن استقطاب المتطرفين والمتشددين يكون أسهل لأنهم يفتقرون إلى درجة من الوعي الفكري والنضج الثقافي ويعانون من مخلفات تفكك الأسرة والمجتمع وتدهور المنظومة التربوية وتهرّب الدولة من مسؤولياتها وغياب الحلول طيلة عقود من الاستبداد.
وأكد عبد اللطيف الحناشي على كون ” التأويلات المتشددة للدين والقراءات المتطرفة للمستجدات السياسية جاءت نتيجة تزايد تأثير القنوات الفضائية التي تبث خطابا دينيا أصوليا متطرفا فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي التي تجيد تلك التنظيمات استخدامها لاستقطاب الشباب.
ولعل من بين مبررات ارتفاع نسبة الواقعين في فخها بين التونسيين تعميم شبكة الانترنيت ومنظومات الاتصال الافتراض في بلدهم منذ عقدين بنسب تفوق أغلب الدول العربية .

تدويل ملف الارهاب

على صعيد آخر شكك اعلاميون وجامعيون وسياسيون من تيارات مختلفة في مصداقية الاحصائيات والتقديرات حول عدد الارهابيين التونسيين داخل البلاد وخارجها .
وتساءل الخبير في الشؤون الاستراتيجية فيصل الشريف ان كان التونسيون يحتلون حقا المرتبة الاولى بين مسلحي داعش والقاعدة أم أن هدف بعض الاوساط تشويه الثورة السلمية التونسية و نموذج الاعتدال والتوافق السياسي في البلد العربي الوحيد الذي نجح فيه نسبيا الانتقال الديمقراطي بعد ثورات 2011.
وأورد العميد السابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية البرلماني فاضل موسى أنه أصبح يشكك في المعطيات التي تقدمها السلطات الأمنية التونسية والدولية حول الإرهابيين التونسيين في الخارج.
واعتبر موسى، أن التضارب في الأرقام المقدمة يدل على نقص المعلومات لدى الأجهزة الامنية ومجموعات البحث الاجتماعية عن ظاهرة يتميز منخرطوها بسريتهم ومناورتهم وقدرتهم على مغالطة كل سلطات الرقابة ، وبعدم كشف كل أهدافهم من رحلاتهم الى الخارج في بلد مفتوح مثل تونس.

واستنتج العميد السابق لكلية الحقوق أن تونس لا يمكنها العمل بمفردها مع ظاهرة دولية مثل الارهاب والتهريب وطالب السلطات التونسية بتطوير شراكتها وتعاونها مع المؤسسات الاممية والدولية وبينها محكمة الجنايات الدولية.

وسجل الفاضل موسى أن هذه المحكمة لديها مكتب النائبة العامة الذي له الأجهزة والمصالح التي تقوم بعمليات استقصائية دقيقة عن الجريمة الدولية . واستدل بكون دول متقدمة اقتصاديا واستخباراتيا وامنيا مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا لجأت إليها لمدها بمعلومات دقيقة حول مواطنيها المورطين في الارهاب والموجودين في بؤر الحروب والنزاعات المسلحة .

فتح الآفاق

تتباين التقديرات والقراءات للظواهر الشبابية في تونس والدول العربية .

لكن الإجماع يبدو كبيرا حول حاجة الشباب الى اعلام بديل ومؤسسات تربية وتعليم وتدريب مهني ناجحة والى فتح الآفاق أمامه حتى لا يفكر في الحلول اليائسة وبينها الادمان والجريمة والعنف والارهاب .

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *