ممنوع الديموقراطية والنهضة في العالم العربي .. بقلم مولاي التهامي بهطاط

ممنوع الديموقراطية والنهضة في العالم العربي .. بقلم مولاي التهامي بهطاط

لا أدري أية رسالة أراد الغرب -الحريص على الديموقراطية وحقوق الإنسان- توجيهها للعالم العربي/الإسلامي من خلال سكوته المشبوه والمطول عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي عرفتها تركيا مؤخرا، والتي لم يدنها إلى الآن؟ ولا أفهم أيضا نوع الرسالة التي تحملها مظاهر الأسى والأسف على فشل المحاولة التي عبرت عنها أكثر من جهة إعلامية وسياسية غربية وعربية؟

فهل معنى هذا أن الغرب الذي يُرجع -علنا على الأقل- التطرف والإرهاب “الإسلامي” إلى غياب -وتغييب- الديموقراطية في العالمين العربي والإسلامي، لا يفعل شيئا لدعم وحماية الديموقراطيات الناشئة، بل على العكس يعمل جاهدا لإحباط أية محاولة يمكنها إخراج شعوب هذه الدول من “إحباطات” الديكتاتورية..؟

إن ما وقع على هامش المحاولة الانقلابية في تركيا، يؤكد ما كتبته قبل شهور، من أن هذا الغرب “المتحضر والمستنير والحداثي والديموقراطي”، يفضل ألا تكون المواجهة مع “المسلمين” في إطار التدافع الحضاري و”حوار” الثقافات والحضارات و”صراع” الأفكار، بل يحبذ أن تكون المواجهة عسكرية بحثة، خاصة في ظل اختلال موازين القوة حاليا، بين المعسكرين، لفائدته، وبشكل كبير..

الغرب يريد أن تكون أرض العرب والمسلمين ساحة لحروب أهلية على أسس طائفية أو عرقية أو دينية.. بدل أن تكون صناديق الاقتراع هي ميدان “المواجهة” بين الفرقاء..

يريد أن تكون الحكومات مجرد أدوات تضمن -بقوة الحديد والنار- بقاء الوضع على ما هو عليه.. أي استمرار التخلف والديكتاتورية..

يريد أن يندفع بعض العرب والمسلمين نحو مزيد من التطرف حتى يوفر الغطاء “الأخلاقي” لكثير من حروبه غير الأخلاقية ..

لكن -وكما هي العادة- فإنه من المستحيل التحكم في حركة التاريخ.. فرب أحداث عادية -بل وتافهة أحيانا- أدت إلى تغيير دراماتيكي في اتجاه مسار الأحداث ..

فاليوم لم تعد أرض المسلمين وحدها مسرح المعارك الدامية.. بل أصبحت الدماء تسيل في شوارع الحواضر الغربية .. ومشاهد الدمار لم تعد قاصرة على الفلوجة وحلب وغزة وتعز.. بل صار الرصاص يلعلع في باريس وبروكسيل.. ومشاهد الجثث الممزعة تملأ شوارع نيس ..

والحروب لم تعد تخاض عن بعد باستعمال الأقمار الصناعية والأسلحة والذكية والطائرات من غير طيار… وبنسبة تقارب 0 في المائة خسائر في الأرواح..كما لم تعد الحرب تدور ضد جيوش نظامية أو ضد مليشيات حرب عصابات.. بل ولم تعد العمليات العسكرية تتابع -مثل المسابقات الرياضية- عبر الشاشات العملاقة، من على بعد آلاف الأميال، داخل المكاتب المكيفة في عواصم صناعة القرار الدولي، بل أصبحت رائحة البارود تخترق خياشيم الساسة الغربيين وهم وسط “قصورهم” الرئاسية..

لقد أُخرج المارد “الإرهابي” من القمقم وأصبح من المستحيل التحكم فيه.. فلا أحد يعرف متى سيضرب الإرهاب؟ ولا كيف؟ ولا أين؟ ولا عدد الأرواح التي سيحصدها؟

لست هنا في معرض الشماتة، لكن الغرب يدفع اليوم -ربما- جزء من فاتورة حربه المعلنة على الديموقراطية في العالمين العربي والإسلامي، ودعمه اللامشروط للأنظمة الديكتاتورية المتسلطة في المنطقة.

ولعل الخلاصة الوحيدة التي يمكن الخروج بها من ملابسات المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، تتمثل في أن هناك خطين أحمرين وضعهما الغرب أمام الشعوب العربية/الإسلامية، سيتم قطع رجل ويد وحتى عنق كل من تسول له نفسه تجاوزهما:

الأول يعتبر الديموقراطية فعلا محرما في هذه المنطقة، لأنها أقصر طريق لاستعادة السيادة الوطنية وتحقيق الاستقلال الفعلي الذي يجعل الحاكم مسؤولا أولا وأخيرا امام شعبه، وقادرا على مقاومة الإملاءات الخارجية.

فالغرب يدرك أن الديموقراطية خطر على مصالحه، وقد اتضح ذلك جليا من التجربة التركية، حيث يستحضر الجميع كيف ان البرلمان التركي رفض استعمال الاراضي التركية في العدوان على العراق سنة 2003، رغم أن حزب العدالة والتنمية يومها لم يكن قد قضى سوى شهور في مواقع المسؤولية.

استقلالية القرار الوطني اخطر على الغرب من “اسلحة الدمار الشامل”، لأن الأنظمة الوطنية لا تقيم اعتبارا سوى لمصالح أوطانها ومواطنيها.. ولا تلهت خلف رضى أحد..

والخط الأحمر الثاني يتعلق بما يمكن أن يسمى “النهضة”، فالغرب لا يمكن أن يسمح للشعوب العربية والإسلامية بتحقيق تنمية فعلية وبالخروج من دائرة التخلف، وهي “الخطيئة” التي وقعت فيها تركيا على ما يبدو.

وهذا ما يقودنا تلقائيا إلى طرح سؤال مغيب في جميع فضاءات الحوار التي فتحت خلال وبعد فشل المحاولة الانقلابية : ما هي مبررات هذا الانقلاب؟

فتركيا ديموقراطية ناشئة -رغم كل ما قد يسجل عليها من نقائص- ودولة لها مؤسسات منتخبة وانتخاباتها لا يستطيع أحد التشكيك فيها .. وتركيا تحولت إلى لاعب رئيسي في الساحة الدولية واستعادت مكانتها التاريخية إقليميا.. وتركيا قوة اقتصادية صاعدة (19 عالميا حاليا) .. تحقق نسبة نمو عالية، وصفر مديونية.. كما تضاعف الدخل الفردي لمواطنيها أكثر من 3 مرات في أقل من 13 سنة.. والمنتوجات التركية تملأ الأسواق الأوروبية والعالمية حيث تجمع بين الجودة والسعر المناسب.. والخطوط الجوية التركية في المقدمة.. والمقاولات التركية تغزو إفريقيا… ومتابعة الدراما التركية توحد مواطني الدول العربية اكثر من أي شيء آخر..

باختصار.. لقد تحولت تركيا إلى قوة إقليمية وازنة، وهي بصدد التحول إلى قوة دولية اقتصادية وديبلوماسية وحتى روحية.. ويكفي أنها أصبحت بديلا “سياسيا” للرياض والقاهرة.. وناطقا باسم الإسلام السني..

إذن، المبرر الوحيد للانقلاب هو إيقاف هذا المسار التصاعدي، أما الحديث عن حماية الديموقراطية والأسس العلمانية وحقوق الإنسان، فهذا كلام لا يستحق أي تعليق عليه.. فمكالمات الانقلابيين كشفت نوع المشروع الذي كان العسكر يعده للأتراك.. اعتقال 40 ألف شخص على الأقل، وتصفية عبد الله اوجلان لإشعال حرب أهلية لشغل الرأي العام.. أي إحراق تركيا.. خدمة لمصالح الغرب الديموقراطي الحريص على نشر ثقافة حقوق الإنسان.

وسؤال آخر يطرح نفسه بإلحاح.. ما الذي يجنيه بعض العرب والخليجيين من الاحتفاء بالانقلابات على الإرادة الشعبية؟ ألم يتسبب انقلاب مصر مثلا في تغول إيران على دول الخليج؟

في المغرب على سبيل المثال كان الحدث التركي -بعد الحالة المصرية- مناسبة لتأكيد أن بعض الوجوه “الحقوقية” و”الديموقراطية”، لو توفرت لها الظروف “المواتية” لمارست إبادة جماعية في حق مخالفيها، ولارتكبت مجازر وتطهيرا “سياسيا” وإيديولوجيا” وحتى عرقيا..

لماذا لم يستفيد هؤلاء من التجربة المصرية؟ وهل صارت مصر أفضل حالا بعد الانقلاب؟ ألم نصبح في النهاية أمام طبعة جديدة جمعت أسوأ ما في صفقات “النفط مقابل الغذاء” و”الأرض مقابل السلام”.. حيث صار شعار مصر اليوم “الأرض مقابل الغذاء (الأرز)”؟

إن مشهد استقبال “الرئيس” السيسي في مطار العاصمة الرواندية مؤخرا يظهر الحقيقة عارية.. مصر أصبحت في الحضيض.. وهل هناك أسوأ من أن مصيرها معلق اليوم بين أصبعي دويلة خليجية لا يستطيع سكانها ملء حي شبرا أو روض الفرج في ضواحي القاهرة؟.. وهل هناك أخطر من أنها وصلت مرحلة التنازل عن أجزاء من ترابها الوطني مقابل وعود دولارية؟

لا أتوقع أن يقف الغرب ليتساءل عن الكوارث التي تسببت فيها سياساته في المنطقة، حتى بعد أن وصل “البلل إلى ذقنه”.. وأصبحت دماء مواطنيه تسيل في الشوارع، وانتشرت حالة من الرعب المتدحرج..

لكن “التاريخ” بمكره وتقلباته ومفاجآته، فرض -مباشرة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا- معادلة جديدة سيكون من الصعب التنبؤ بانعكاساتها على مستقبل المنطقة..

لقد كان بعض الناس قبل 15 يوليوز الجاري، يجرون مقارنات بين مرسي والسيسي والمنصف المرزوقي وباجي السبسي.. أين بين من جاءت بهم “الثورات الشعبية” وبين من جاءت بهم الثورات المضادة، ويتحسرون على المآل الذي انتهى إليه “ربيع” أجهض في خطواته الأولى..

لكن هذه المقارنات وإن ظلت نسبية ومحكومة بهواجس الاصطفاف الإيديولوجي والحزبي والسياسي، لكنها كشفت أنه على الأرض هناك فقط قوتان كبيرتان متصارعتان :

فمن جهة هناك “الإسلام السياسي” بكل تشعباته وتفرعاته، حيث اتضح أنه المكون السياسي الوحيد الذي له حضور فعلي في الشارع العربي والإسلامي والوحيد القادر على الاستقطاب..

ومن جهة ثانية هناك الفساد الذي يجمع تحت عباءته الأجهزة الامنية والعسكرية والبيروقراطية ورجال الأعمال ولوبيات المصالح والإعلام والقضاء والثقافة والفن..

وغير ذلك، ليست هناك لا قوى مدنية ولا ليبرالية ولا يسارية ولا قومية.. على الأرض..

أما الأغلبية الساحقة (حزب الكنبة كما تسمى في مصر)، فهي على مذهب “المعتزلة”.. اعتزلت الصراع بين الطرفين أعلاه، واعتزلت حتى “التفكير” الذي هو أول خطوة على درب التغيير..

ونتيجة لهذه المعادلة فإن أي انتخابات حرة ونزيهة جرت أو ستجري في المنطقة، سيفوز فيها الإسلاميون، وسينقلب عليهم العسكريون حتما مدعومين ببقية “الشلة”.. حدث ذلك في مصر.. وحدث سابقا في الجزائر.. وسيحدث في أية بقعة أخرى تتوفر فيها شروط هذا “الاصطدام” ..

إن هذا الوضع “الميؤس” منه هو الذي يدفع العرب والمسلمين إلى البحث دائما عن “زعامات” -“بهيمة كبرى” على رأي عبد الرحمان منيف- يتبعونها وتتحمل وحدها “همَّ” التفكير والتدبير، وتُطرب الاسماع بالكلام الكبير..

يجمع كثيرون على أن ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة لن يكون كما قبلها..

لكن السؤال المتشعب الذي يهمنا كعرب، هو : هل من حقنا لوم تركيا على تطلعاتها “التوسعية” في ظل الفراغ الموجود في المنطقة؟ وهل يجوز لنا انتقاد التطلعات “السلطانية” لأردوغان والحال أن بلاد العربان فشلت في بناء الإنسان رغم الثروة الهائلة التي صرفت أجزاء كبيرة منها على تخريب الحاضر وهدم الجسور نحو المستقبل، بل فشلت في إنتاج زاعمات محلية تغني عن البحث عن بدائل خلف البحار؟

حرب ضروس تدور اليوم على معظم الصفحات العربية بمواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية ما يجري في تركيا من صراع وإعادة ترتيب الأوضاع.. ويغيب عن المتطاحنين أن هذا شأن داخلي تركي، ووحده الشعب التركي من حقه اختيار الاتجاه الذي يسير فيه..وأن همنا ينبغي أن ينصب على شؤوننا الداخلية : هل نريد أن نصبح لاعبين أساسيين أم نفضل البقاء في موقع المتفرجين الذين يصفقون لهذا ويصفرون على ذاك ..

* كاتب من المغرب

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *