العلمانية وموجة انسلاخ أحزاب المرجعية الإسلامية من مرجعيتها .. بقلم عبد الكريم مطيع

العلمانية وموجة انسلاخ أحزاب المرجعية الإسلامية من مرجعيتها .. بقلم عبد الكريم مطيع

لا شك في أن موجة ما دعي “علمانية” تجتاح عالمنا الإسلامي مدججة في المجال الفكري بمختلف العلوم الإنسانية المعاصرة فلسفة واجتماعا وعلم نفس ومنطقا وديماغوجية، وفي مجال العلوم التطبيقية بأدق ما وصلت إليه الاختراعات الحديثة والاكتشافات العلمية، وفي مجال التأثير النفسي والاجتماعي والتوجيه المعنوي بكل وسائل الاتصال المسموعة والمرئية والمقروءة، وفي المجال العسكري بأحدث أساليب الضغط والتهديد والغزو والتدخل السريع المباشر والبطيء المتسلل.

ولئن كان تأسيس دول علمانية في العالم الإسلامي يعد من ركائز هذا الاجتياح، فإن ظاهرتي الأمبريالية الحديثة والعولمة الرأسمالية الشرسة وهيمنتهما على مراكز القرار السياسي والاقتصادي، وآفة الفلسفة الداروينية بإسقاطاتها الفكرية في ميادين التلقي العلمي والتربوي مدرسة وجامعة وإعلاما، من أخطر أدوات هذا الاجتياح العلماني للعقيدة الإسلامية أرضا وبشرا ومنهاج حياة.

إن ظاهرة العلمانية المدججة، ومحاولاتها دس أنفها في الشأن الإسلامي بحربائية ومحاولة تأقلم تارة، ومصاولة هجومية كاسحة تارة أخرى، تقتضي يقظة فكرية وسياسية واجتماعية وعقدية تتم بها حماية الدين عقيدة ومنهج حياة.

ولعل من البديهي أن نعرج في هذا المنحى على معنى هذا المصطلح في أصوله اللغوية ، ليتم لنا معرفة ما وراءه من نوايا وأهداف وعقائد. ذلك أن لفظ ” العلمانية ” هو تعريب لما اشتق من أصله اللاتيني ( SECULAR ( ومعناه “اللادينية” كما ورد في معجم أكسفورد، ثم عرب بألفاظ: ” الدنيوية، والمادية، والعلمانية”، تجنبا لأي حساسية دينية قد تثار في المجتمع المسلم الذي هو الهدف الأصيل للاجتياح. كما اقترح بعض دعاتها أخيرا استعمال لفظي” الديمقراطية العقلانية ” بدل هذه المصطلحات التي استثارت قوى الدفاع الذاتي لدى الأمة، على اعتبار أن العقلانية في صميمها تستبعد الغيب وتقصيه عن شؤون الدنيا.

من هذا المعنى اللغوي للمصطلح يبدو أن هذه الدعوة قديمة قدم الصراع بين الإيمان والإلحاد، والتدافع بين الحق والباطل، لأن معتنقيها لا يؤمنون إلا بعالم المادة ولا يلتزمون إلا بما يلزمهم إياه مجتمع الدنيا، وهم بذلك ينكرون الغيب والألوهية وعالم ما بعد الموت حسابا وجزاء. ولئن حاولوا التدليس بتحديث ما أطلق عليهم قديما، وانتحال مصطلحهم الجديد “علمانية”، فإنهم عرفوا طيلة التاريخ الإسلامي تحت عنوان “الدهريين”، وهم الذين أنبأنا الله تعالى خبرهم بقوله في الآية 24 من سورة الجاثية {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.

ولئن كان الاختلاف داخل دوائرهم التنظيرية حول صياغة تعريف للعلمانية يكون مقبولا لدى المسلمين، فما ذلك إلا لاضطراب عملية اجتياحهم للمنطقة، ولما اعترض سبيلهم من حواجز وسدود، ولما عجزوا عن فهمه من إشكاليات التعاطي مع المجتمع المسلم ذي الموروث الثقافي المنبثق من أصل العقيدة، مما أدى بأحد عتاة الدهريين العلمانيين المعاصرين المدعو “أركون” إلى أن يصرخ متوجعا متضورا[[1]]:(هكذا نجد أننا غاطسون في محيط إيديولوجي كامل، ولا يوجد أي تفكير جاد أو سليم في مثل هذا الجو المهيمن على العالم الإسلامي. وبالتالي فإن العلمنة تبدو مستحيلة تماما في مثل هذا الجو. بل ويصل بنا الأمر إلى حد القول بأن الوظيفة النبوية قد تشيطنت ..)، ثم يعزو ذلك إلى حركات الدعوة الإسلامية بقوله:(ولكن الحركات الإسلامية الحالية ذات تأثير كبير حتى في أوساط هؤلاء الشباب الراغبين أولا في تأكيد أنفسهم سياسيا، وخطابها يتغلغل بسهولة في أوساط الجماهير الغفيرة).

هذه الصعوبات التي اعترضت سبيل الدهريين المعاصرين (العلمانيين)، ظهر نتيجة لها ووسيلة لتلافيها نهجان مسلوكان ذوا هدف واحد هو نشر اللادينية تحت عنوانَيْها المعلنين” العلمانية والعقلانية “، نهج استئصالي مطاول مرحلي، ونهج استئصالي مصاول متعجل.

يدعو النهج الأول إلى فصل الدين عن الدولة، والسلطة التشريعية عن السلطة الدينية، ويقدم العلمانية بأسلوب انتقائي، بصفتها مجرد أفكار وممارسات عملية لتطوير المجتمع وإخراجه من دائرة التخلف، وفي الحالة المغربية يدعو إلى ” لادينية ” المجتمع والحكومة، وإسلامية المؤسسة الملكية التي يجب أن تختزل الدين في جبتها ريثما يرمى بها وبما في جبتها إلى سلة التاريخ. وقد ظهرت آثار هذا النهج واضحة في مجالات العلوم والإعلام والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لاسيما لدى النخب الفاسدة من ذوي المال والجاه والنفوذ، الذين حوصروا في مراكز سلطتهم المغتصبة مدججين بالدبابات المحلية وأرتال الدعم الأجنبي. أما جمهور المسلمين فقد تترسوا بعقيدتهم في مواجهة هذه الهجمة الشرسة، وتقوقعوا في مجتمعاتهم الدينية بعد أن عجزوا عن إقامة نظم سياسية تناسبهم.

أما الاتجاه الاستئصالي المصاول فيأخذ على الأول تردده وبطء أساليبه وغبش رؤيته، لأن العلمانية الأصيلة في نظره تعني فصل القيم الإنسانية والدينية عن الحياة الفردية والجماعية للأمة فصلا مطلقا، تمهيدا لإلغائها وتحرير الناس من إسارها، والتمكين للعلمانية اللادينية الملحدة الصريحة، والنفوذ بها إلى أعماق المجتمع اعتقادا وفكرا وإديولوجية وممارسة ونظام حياة. وهو ما جاهر به القطب العلماني”كرلستول” بقوله: (إن العلمانية رؤية دينية شاملة لها مقولاتها عن الحياة الإنسانية حاضرا ومستقبلا، وتأثيرها الفعال في العقائد الدينية التي لم تندثر بعد في هذا العصر العلماني). وأيده في ذلك اللاديني السوري “هاشم صالح” الذي دعا إلى تحرير الفرد والمجتمع من قيود المطلق والغيبي (الدين).

هذا الاتجاه يتعامل مع قضايا الدين بصرامة شديدة وحدية مطلقة، ولا بديل لديه عن استئصال كل ما له علاقة بالغيب من أنماط تفكير وسلوك، وأصناف علاقات وجدانية ووشائج أسرية وإنسانية، وبناء مجتمع جديد مصدرُ الأخلاق فيه والممارساتِ الخاصة والعامة هو المعرفةُ المادية اللادينية.

وبين الاتجاهين هذين (المطاول والمصاول) يقبع اتجاه تتأرجح تصريحاته بين المرونة والتشدد، وإن كان في جوهره منضبطا في السياق العام لمسيرة العلمانية الاستئصالية الحدية ومنهجها الاجتياحي. يمثل هذا الاتجاه زمرة من ذوي الأصول العربية والشعوبية، على رأسها كل من حسن حنفي ومحمد أركون.

وإذ يرى الأول – حسن حنفي – في بدء ظهوره أن العلمنة مجرد فصل للدين عن الدولة، يتحول فجأة إلى اعتبارها منهجا كاملا له رؤية شاملة للكون تنبثق عنها قيم ومبادئ مهيمنة على كل مجالات الحياة، وتعد مرجعية شاملة لها، مما يتنافى مع كل مرجعية “غيبية ماورائية” حسب تعبيره.

أما “أركون” فإنه على رغم تدليسه على قرائه بادعاء الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، وهو مجرد خريج من المدرسة العلمانية اللائكية الفرنسية، لم يتعلم اللسان العربي إلا في شيخوخته، والانتساب العرقي إلى أسرة مسلمة ليس دليلا أو حجة على اعتناق الدين الإسلامي، وعلى رغم تنديده التمويهي بالتيار ” العلمانوي الصراعي ” كما دعاه، فإنه في جوهر موقفه العقدي علماني استئصالي متطرف، يبدو ذلك واضحا من خلال كتاباته التي أهال عليها من المساحيق والضبابية والغبش ما ظنه كافيا للتدليس والتلبيس، فالعلمانية بالنسبة إليه (موقف للروح؟! وهي تناضل من أجل الحقيقة أو التوصل إليها) و (وهي عمل لا ينتهي ولا يغلق ) و هي( تجاوز من الباحث كل الخصوصيات الثقافية والتاريخية وحتى الدينية التي ولد عليها المرء) و (وهي تفرض نفسها بشكل متساو وإجباري على الجميع دون استثناء) و (والخصومة قائمة أيضا دائمة بين العلمنة والدين كما مورسا في بلدان الغرب نفسه) و (إذا كان المسلمون يتعلقون اليوم بقوة وعنف بالقرآن فإن ذلك عائد إلى وجود فراغ تاريخي ينتظرون ملأه) و (والإسلام بحد ذاته- أي المجتمع الإسلامي كما يفهم من السياق- ليس مغلقا في وجه العلمانية، ولكي يتوصل المسلمون إلى أبواب العلمنة فإن عليهم أن يتخلصوا من الإكراهات والقيود النفسية واللغوية؟! والإديولوجية؟! التي تضغط عليهم وتثقل كاهلهم) و (والعقائد والقوانين المشتقة من الوحي تشكل حتما سياجا دوغمائيا مغلقا[2] يقبل العقل البشري في أن ينحصر داخله) وكل العبادات صلاة وصياما وحجا تؤازر هذه العقائد، حسب تعبيره:(الشعائر والطقوس التي تلعب دورا هاما بصفتها دعامة وسندا) و (والموقف العلماني يتميز بإحداث القطيعة الجذرية مع كل ما يشرط الموقف الديني ويتحكم به، وهو يفترض أن فرضية الله أو وجود الله ليست ضرورية من أجل العيش) و (والأديان في مجتمع ما هي عبارة عن جذور، ولا ينبغي التفرقة بين الأديان الوثنية وأديان الوحي، لأن التفرقة بينها تعسف، والنظرة العلمانية تعلن أنها تذهب إلى أعماق الأشياء، إلى الجذور من أجل تشكيل رؤية أكثر صحة) و (العلمانية مهمة عملية يومية يمارسها كل مدرس يجد أمامه عقولا طازجة؟! شابة أو بالغة ، ولكن عاجزة عن الدفاع عن نفسها؟!!) و (هي معاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في العالم الواقعي ونشر ما نعتقد أنه الحقيقة في الفضاء الاجتماعي – أي المجتمع -، والمدرس لا يكفي أن يكون محايدا في تعليمه لكي يتوصل إلى المثال العلماني ويعانقه) و (والعلمانية ينبغي أن تتطور تطورا طبيعيا بمنأى عن إيديولوجيا إسلام معين ومتصور على أنه دعامة للمقاومة ضد الإمبريالية الاستعمارية) و (والعلمانية يجب أن تهيمن على الفضاء الاجتماعي وساحاته الدينية والسياسية والفكرية والاقتصادية والثقافية) ولتحقيق الاستقلالية الكلية للعقل لابد من (قطيعة أساسية وجذرية مع الوحي).

إن المطلع المتعجل على هذه الاتجاهات العلمانية وما تتقاصف به من نقد وتجريح متبادلين، يتوهم أن بينها تعارضا وتنافيا، ولكن النظرة الفاحصة سرعان ما تكشف أن اختلافها تكامل، وتنوعها تأقلم مع الساحة التي تعمل فيها. فهي إذا ما دعت إلى مجرد فصل الدين عن السياسة والدولة فلكون المجتمع الذي تنشط فيه شديد التدين غير قابل لما سوى هذا الهدف. أما في مرحلة الاستئناس بالعلمانية فتدعو إلى اقتحام بوابتها على يد أمثال حسن حنفى وأركون، وإذا ما تأسست ركائزها الأولى تدخل التيار الاستئصالي الحدي لإكمال ما بقي من المراحل، بنفي الدين عن الأمة أفرادا ومجتمعا، والبلوغ في ذلك إلى مرحلة القمع لاجتثاث جذور الإيمان من القلوب.

هكذا يتجلى بوضوح تام أن القاسم المشترك لدى العلمانية اللادينية (الدهرية المعاصرة) بجميع إيديولوجياتها الليبرالية والماركسية والقومية والوجودية والعبثية والحداثية وما بعد الحداثية تلتقي في مبدأ إنكار الوحي وفكرة الدين، و تسعى إلى تأسيس قيم ومبادئ جديدةٍ منبتَّةٍ مقطوعة عن أصل الغيب ألوهية ومعادا، أساسها المادة والمصلحة المنبثقة عنها، واختزال ذلك كله فيما عرف حاليا بالعولمة الرامية إلى فرض الهيمنة الثقافية الدولية بأخلاقها ونظمها وقوانينها وتجارتها واقتصادها وآدابها وفنونها، وإسقاط الهوية الدينية وإلغائها وسحقها، للوصول إلى مجتمع لاديني محض.

إن القطيعة بين العلمانية وبين الدين تأسست في مستهل الحياة البشرية، وذلك عندما تأسس الدين كلمة ربانية من الله عز وجل لآدم عليه السلام، كلمة نشأت بها وفي كنفها القيم الإنسانية الرفيعة والمبادئ القَيِّمة الراقية التي لا يد ولا فضل للماديين في تأسيسها والتبشير بها، ثم ظهر الكفر تمردا للشيطان على أوامر ربه وإغواء لعباده، فكان الوحي قبلة للمؤمنين، والشيطان قبلة للماديين العلمانيين بجميع مسمياتهم في جميع العصور. منذئذ انقدح الصراع والتدافع بين الحق والباطل والتدين واللاتدين {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة251،

وعلى مدار التاريخ البشري، كلما تقلص دور الدين وتنوسيت تعاليم النبوات عقائد وشرائع ذر قرن العلمانية فردية استبدادية حاكمة أو تحركا جماهيريا منحرفا ضالا، ولئن كانت مسيرتها في المجال الإسلامي غير ما هي عليه لدى الدول الغربية، فإنها تلتقي لدى الطرفين في الهدف المشترك الذي هو إعلاء شأن الإلحاد والتحلل من كل القيم التي بشرت بها جميع الأديان.

إن جميع المجتمعات البشرية في فترة الضلال الذي يجتاحها مرة بعد مرة، عرفت الإلحاد وأنكرت الألوهية والغيب كما تنكره العلمانية حاليا، وما الدهريون السالفون إلا أصولا للعلمانيين المعاصرين، تجمعهم المقولة الموغلة في القدم:” ما هناك إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما بين هذا وذاك ملعب ومرتع “.

إن المجتمع العربي الإسلامي نفسه كان قد عرف أول حركة إلحاد علمانية منظمة ومسلحة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، أسسها المدعو حمدان بن قرمط، واتخذ لها مركزا في الكوفة سماه دار الهجرة، وركز في دعوته على المستضعفين والحاقدين والناقمين من الأجراء والموالي والعبيد، واتخذ من الدهرية مذهبا وعقيدة، منكرا الرسل والشرائع مستبيحا كل ما يميل إليه الطبع، متوسلا إلى أهدافه بالبطش والقتل وسفك الدماء، متخذا دستورا وقاموسا لأتباعه من رسالة عبد الله بن الحسين القيرواني التي يقول فيها: (ادع الناس بأن تتقرب إليهم بما يميلون إليه، وأوهم كل واحد منهم بأنك منهم، فمن آنست منهم رشدا فاكشف الغطاء، وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا، وإنا وإياهم مجمعون على رد نواميس الأنبياء).

ثم توالت إلى يومنا هذا حركات تمرد على النبوة الخاتمة بعقيدتها وشريعتها، تبرز فيها الدهرية العلمانية كلما ضعفت الدولة المركزية وتخبو في حال قوتها، من القرامطة إلى المعتزلة إلى الحشاشين إلى القومية العربية المعاصرة التي اتخذت من العلمانية محتوى إديولوجيا، إلى الماركسية صريحة الإلحاد، إلى ما عرف حاليا بالحداثة والعلمانية والعولمة.

وفي المجال السياسي وتدبير الشأن العام ظهرت العلمانية في شكلها الاستبدادي الفردي ملوكية جبرية، احتكرت السياسة العامة خارج نطاق الشريعة، استنادا إلى ما تقتضيه مصلحة البيت الحاكم، واستأثرت لذلك بجميع مرافق الدولة إدارة واقتصادا وتصرفا في المال العام جباية ومصادرة وإنفاقا وأعطيات، ومارست تسيير الجيوش مدافعة ومهاجمة، وابتداع العقوبات السلطانية الشرسة التي لا يقرها دين ولا عرف ولا تقليد، وتوجيه الثقافة أدبا وعلما وبحثا، وقمع التوجهات الفكرية والعقدية المخالفة والمعارضة.

واستمر هذا الحال على صعيد الدول والدويلات التي قامت في المنطقة الإسلامية إلى عصرنا الحاضر، من غير أن تعرف هذه العلمانية الملوكية ما عرفته في الساحة الغربية من تطور، لأن بعض فقهاء السلطة لدى المسلمين أخذوا على عاتقهم تبريرها وتسويقها للعامة على أطباق من نظريات للاستصلاح والاستحسان والمقاصد والاستصحاب…

أما في ديار الغرب البعيدة عن دائرة الاستقطاب الديني السماوي في الشرق العربي مهد النبوات والرسالات، فقد سادت النزعات الوثنية المادية بكل أصنافها، عبادة للأفلاك والكواكب والنجوم واعتقادا في الأساطير والخرافات والأوهام، وأفرزت صراعاتها فيما بينها أول تجربة سياسية مادية علمانية في اليونان، ذات توجه ديمقراطي محتكر بين طوائف أرباب المال والسلطة والقوة.

ثم بعد أن ظهرت الديانة المسيحية وفصل فيها الديني عن الدنيوي وأفرغت من محتواها التدبيري للحياة، واضطرت من أجل المشاركة في السلطة إلى التحالف مع الإقطاعيين والأباطرة، ساهمت بفتاواها وتوجيهاتها في قمع الحريات ونهب الأموال وسفك دماء العلماء والمفكرين واستذلال الطبقات الفقيرة التي لم تجد بدا للتحرر من أن تخوض ثورات متعاقبة تدعو فيها إلى العلمانية، على الشكل اليوناني بعد أن قام مفكرو عصر النهضة بتطويره وتحديثه، وتضمينه ما يكفل مستوى مقبولا من العدالة وحرية الفكر والرأي والإبداع، خارج الغيبيات الكنسية واستبداد الإقطاعيين والمستغلين..

حينئذ وبتأثير التطور الصناعي وعوامل الإنتاج، وفي ظل التوسع الاستعماري عرفت أروبا علمانيتين، أولاهما لبرالية حققت أكبر انتصاراتها في أواخر القرن الثامن عشر بالثورة الفرنسية التي حجمت الكنيسة في معابدها، ومكنت للمادية الديمقراطية الرأسمالية على رأس السلطة.

وثانيتهما اشتراكية ماركسية صريحة الإلحاد، توجت انتصارها بثورة أكتوبر 1917م، وقيام الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي.

وفي مرحلة المد الاستعماري الغربي التي افتتحت بحملة نابليون على مصر وامتدت إلى كافة المناطق الإسلامية في إفريقية وآسيا، أخذ تأثير العلمانيتين الليبرالية والشيوعية يتسلل إلى الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتولى الترويج لهما مفكرون عرب وآسيويون، من مختلف الانتماءات الدينية يهودية ومسيحية ومسلمة، في محاولة للتخلص من الاستبداد والتخلف والضعف، وكان في مقدمة من سار في هذا الركب علماء وفقهاء انبهروا بما بلغه الغرب من تقدم مادي على حساب الكنيسة، منهم جمال الدين الأفغاني والطهطاوي ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، تولوا تسويق الديمقراطية الغربية ومحاولة أسلمتها والتوفيق بين مفاهيم الدين الإسلامي وبين العلمانية الليبرالية الرأسمالية؛ ثم ما لبثت الماركسية أيضا أن اتخذت لنفسها مواقع هامة في مختلف الحواضر الإسلامية عربية وعجمية، وتأسست لها الجمعيات والأحزاب، وقامت بها دول اشتراكية سرعان ما انهارت بانهيار المعسكر الشيوعي.

ثم في عصرنا الحالي بلغ المد العلماني في أقطار المسلمين أوجه بجراءته على نصوص الكتاب والسنة تشكيكا وتأويلا ، وعلى ثوابت الدين ترويضا وتبديلا، وبسعيه الدؤوب للوصول إلى رأس السلطة المركزية والاستبداد بها.

وما يجري حاليا من توترات سياسية في الدول الإسلامية ليس إلا صراعا بين الحكم العلماني الفردي الاستبدادي الموروث عن الملوكية العربية بهامش ضيق من حرية العبادة الفردية والعلاقات الزوجية والأسرية، وبين العلمانية الشمولية ذات المحتوى الديمقراطي، يشتد هذا الصراع كلما خلا الجو للطرفين، ويخف ويخفت إلى حد التحالف واقتسام الغنيمة كلما ظهر التيار التنويري الإسلامي ذو المحتوى الراشدي.

ولئن كان حكام المسلمين الحاليين قد سمحوا لشعوبهم فقط بحرية تنظيم عباداتهم وأحوالهم الشخصية على قواعد الشريعة، وتركوا للعلمانيين حق التشريع فيما سوى ذلك، فإنهم تحت ضغط النخب المعلمنة قد سمحوا للعلمانية – مقابل البقاء في سدة الحكم – باقتحام مجال العبادات وإعادة تنظيم المساجد والسيطرة عليها، وإلغاء تشريعات الأحوال الشخصية وعلمنتها، وفرضوا أخيرا على بعض الأحزاب المتلبسة بالمرجعية الإسلامية أن تنسلخ من مرجعيتها، وبذلك حققت العلمانية كامل هدفها الذي هو اعتبار حياة المسلمين عقديا وتشريعيا وأخلاقيا وأعرافا وتقاليد منطقة فراغ ينبغي أن يملأ بالعلمانية، أو كما قال ( أركون ): ” إذا كان المسلمون يتعلقون اليوم بقوة وعنف بالقرآن فإن ذلك عائد إلى وجود فراغ تاريخي ينتظرون ملأه “.

[1] – تضور: تشكَّى الجوع، يقال تضور الذئب أو الكلب تضورا إذا مد صوته من ألم الجوع.

[2] – دوغمائيا أي: عقديا متعصبا.

نبذة عن الكاتب

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *